ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين( ٢٥ ) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين( ٢٦ ) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم( ٢٧ )
هذه الآيات تذكير للمؤمنين بنصر الله لهم على أعدائهم في مواطن القتال الكثيرة معهم ؛ إذ كان عددهم وعتادهم قليلا لا يرجى معه النصر بحسب الأسباب والعادة، وابتلائه إياهم بالتولي والهزيمة يوم حنين على عجبهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك بعناية خاصة من لدنه ليتذكروا أن عنايته تعالى وتأييده لرسوله وللمؤمنين بالقوى المعنوية أعظم شأنا وأدنى إلى النصر من القوة المادية، كالكثرة العددية وما يتعلق بها، وجعل هذا التذكير تاليا للنهي عن ولاية آبائهم وإخوانهم من الكفار، وللوعيد على إيثار حب القرابة والزوجية والعشيرة-ولو كانوا مؤمنين- والمال والسكن على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، تفنيدا لوسوسة شياطين الجن والإنس ـ من المنافقين ومرضى القلوب ـ لهم وإغرائهم باستنكار عود حالة الحرب مع المشركين وتنفيرهم من قتالهم لكثرتهم، ولقرابة بعضهم، ولكساد التجارة التي تكون معهم، وذلك بعد إقامة الدلائل على كون ذلك من الحق والعدل والمصلحة العامة في الدين والدنيا، وفي هذه الغزوة من العبر والحكم والأحكام ما ليس في غيرها، وسنبين المهم منه في إثر تفسير الآيات.
قال عز وجل :
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة الظاهر أن هذا الخطاب مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لجماعة المسلمين بالتبع لما قبله وفيهم بقية من المنافقين وضعفاء الإيمان، ولم يعطف عليه لأنه بيان مستأنف لإقامة الحجة على صحة ما قبله من نهي ووعيد، وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وفي إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن مما يحب للقوة والعصبية وللتمتع بلذات الدنيا، فإن نصر الله تعالى لهم في تلك المواطن الكثيرة لم يكن بقوة عصبية أحد منهم، ولا بقوة المال، وما يأتي به من الزاد والعتاد، وقد ترتب عليه من القوة والعزة والثروة ما لم يكن لهم مثله من قبل، ثم ترتب عليه من السيادة والملك بطاعة الله ورسوله ما هو أعظم من ذلك فيما بعد، ثم يكون له من الجزاء في الآخرة ما هو أعظم وأدوم، وإنما ذلك من فضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بهذا الدين القويم.
والمواطن جمع موطن، وهي مشاهد الحرب ومواقعها، والأصل فيه مقر الإنسان ومحل إقامته كالوطن، ووصفها بالكثيرة لأنها تشمل غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر سراياه التي أرسل فيها بعض أصحابه ولم يخرج معهم، ولا يطلق اسم الغزوة ومثلها الغزاة والمغزى إلا على ما تولاه صلى الله عليه وسلم بنفسه من قصد الكفار إلى حيث كانوا من بلادهم أو غيرها.
روى البخاري ومسلم في كتاب المغازي من صحيحيهما عن أبي إسحاق السبيعي أنه سأل زيد بن أرقم : كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة ؟ قال : تسع عشرة. وسأله : كم غزا معه ؟ قال : سبع عشرة١، قال الحافظ في شرح الحديث من أول الكتاب عند قوله تسع عشرة : كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه- سواء قاتل أو لم يقاتل- لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم. فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلها الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره اه.
ثم ذكر الحافظ عن موسى بن عقبة أنه صلى الله عليه وسلم قاتل بنفسه ثمان : بدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف( قال ) وأهمل غزوة قريظة ؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها كانت في أثرها وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب. وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر. وقد توسع ابن سعد فبلغ عدد المغازي التي خرج فيها رسول الله بنفسه سبعا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحاق، إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل.. الخ، ووضح الحافظ هذا البسط من جانب، وتدخل بعض المغازي المتقاربة في بعض من جانب آخر، فكان خير جمع بين الأقوال.
ثم قال : وأما البعث والسرايا فعند ابن إسحاق ستا وثلاثين، وعند الواقدي ثمانيا وأربعين( كذا )، وحكى ابن الجوزي في التلقيح ستا وخمسين، وعند المسعودي ستين، وبلغها شيخنا زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في الإكليل أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضم المغازي إليها. اه واختار بعض العلماء أن المغازي والسرايا كلها ثمانون.
ومن المعلوم أنه لم يقع فيها كلها قتال، فيقال : إنه تعالى نصرهم فيها، كما أن من المعلوم أنه تعالى نصرهم في كل قتال إما نصرا عزيزا مؤزّرا كاملا وهو الأكثر، ولا سيما بدر والخندق وغزوات اليهود والفتح، وإما نصرا مشوبا بشيء من التربية على ذنوب اقترفوها كما وقع في أحد ؛ إذ نصرهم الله أولا، ثم أظهر العدو عليهم بمخالفتهم أمر القائد الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في أمر من أهم أوامر الحرب وهو حماية الرماة لظهورهم كما تقدم تفصيله في سورة آل عمران وتفسيرها، وكما كان في حنين من الهزيمة في أثناء المعركة، والنصر العزيز التام في آخرها وهو ما بينه تعالى بقوله :
ويوم حنين أي ونصركم يوم حنين أيضا، وهو واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات، هذا ما اعتمده الحافظ في الفتح وغيره، وقيل إن بينه وبين مكة ست ليال، وعن الواقدي ثلاث ليال. وفي روح المعاني للآلوسي إنه على ثلاثة أميال من الطائف. وتسمى هذه الغزوة غزوة أوطاس، وغزوة هوازن. وأوطاس - كما في معجم البلدان- واد في أرض هوازن كانت فيه وقعة حنين للنبي صلى الله عليه وسلم ببني هوازن، ومثله في القاموس، وقد عقد البخاري في صحيحه بابا لغزوة أوطاس بعد سوق الروايات في غزوة حنين. وقال الحافظ في الكلام على هذه الترجمة : قال عياض : هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين. اه.
وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين. ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس، -كما يدل عليه حديث الباب- ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف. وقال أبو عبيد الله البكري : أوطاس واد في دار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف، ثم التقوا بحنين اه.
وقال ابن القيم في الاسمين : وهما موضعان بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى غزوة لأنهم هم الذين أتوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم اه. والأولى أن يقال : إنها سميت باسمهم لأنها وقعت بأرضهم، ولأنهم هم الذين جمعوا جموع العرب من القبائل الأخرى لقتاله صلى الله عليه وسلم، وكانوا هم الموقدين لنار الحرب والمقصودين بها.
وقوله تعالى : إذ أعجبتكم كثرتكم بدل من يوم حنين، أو عطف بيان له، وحاصل معناه مع ما سبقه أنه نصركم في مواطن كثيرة ما كنتم تطمعون فيها بالنصر بمحض استعدادكم وقوتكم لقلة عددكم وعتادكم، ونصركم أيضا في يوم حنين، وهو اليوم الذي أعجبتكم فيه كثرتكم ؛ إذ كنتم اثني عشر ألفا وكان الكافرون أربعة آلاف فقط، فقال قائلكم معبرا عن رأي الكثيرين الذين غرتهم الكثرة : لن نغلب اليوم من قلة، وقد زعم بعض رواة السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال هذا القول، ورده الرازي بأنه غير معقول، ونرده أيضا بأن المنقول الصحيح خلافه، وهو ما رواه يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال : قال رجل يوم حنين : لن نغلب اليوم من قلة. فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الهزيمة. اه أي وقعت بأسبابها، فكانت عقوبة على هذا الغرور والعجب الذي تشير إليه الكلمة، وتربية للمؤمنين، حتى لا يعودوا إلى الغرور بالكثرة ؛ لأنها ليست إلا أحد الأسباب المادية الكثيرة للنصرة، وما تقدم بيانه من الأسباب المعنوية في سورة الأنفال أعظم، وقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين الكاملين الذين يعلمون قيمة أسباب النصر المعنوية كالصبر والثقة بالله والاتكال عليه قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين [ البقرة : ٢٤٩ ] وكذلك وقعت الهزيمة بأسبابها في يوم أحد عقوبة وتربية كما تقدم في محله.
فلم تغن عنكم شيئا أي فلم تكن تلك الكثرة التي أعجبتكم وغرتكم كافية لانتصاركم ؛ بل لم تدفع عنكم شيئا من عار الغلب والهزيمة.
وضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي ضاقت عليكم الأرض برحبها وسعتها فلم تجدوا لكم فيها مذهبا ولا ملتحدا.
ثم وليتم مدبرين أي وليتم ظهوركم لعدوكم مدبرين لا تلوون على شيء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل في أصح الروايات المفسرة لإجمال هذه الآيات

الخروج إلى حنين والقتال والهزيمة :

قال الحافظ في أول الكلام على هذه الغزوة من الفتح : قال أهل المغازي : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين لست خلت من شوال. وقيل : لليلتين بقيتا من رمضان. وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره. وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النضري جمع القبائل من هوازن، ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم، قال عمر بن شيبة في كتاب مكة : حدثنا الحزامي - يعني إبراهيم بن المنذر ـ حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد : أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن قصة الفتح ـ فذكر له وقتها ـ فأقام عامئذ بمكة نصف شهر ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك. ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين فأطنبوا السير، فجاء رجل فقال : إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :)تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى ). وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدل على أن هذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي اهـ.
وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث الربيع بن أنس المتقدم عن يونس بن بكر، وزاد فيه أنهم -أي المسلمين- كانوا اثني عشر ألفا منهم ألفان من أهل مكة، أقول : وأما العشرة الآلاف فهم أصحابه الذين فتح بهم مكة. وفي البخاري من حديث هشام بن زيد عن أنس عبارة مبهمة ؛ بل غلط في هذا العدد، قال : لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي عشرة آلاف من الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما فقال :( يا معشر الأنصار )، فقالوا لبيك يا رسول الله نحن معك. ثم التفت عن يساره ( فذكر مثل ذلك ) الخ، فقوله من الطلقاء غلط، وفي رواية له : ومن الطلقاء، وهي مبهمة كما يعلم من رواية مسلم وهي «ومعه الطلقاء» الخ، ومن رواية البيهقي التي تقدمت آنفا. وهؤلاء الطلقاء كانوا ألفين. وكان حال بعض الألفين وخفة بعض الشبان هما السبب الأول للهزيمة، إذ كان بعضهم منافقا أظهر الإسلام لما غلب على أمره ووطنه ومهد دينه ومعهد عزه وكبريائه، وبعضهم ضعيف الإيمان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم إلى أن يظهر لهم نور الإسلام وفضله بالعمل ومعاشرته صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين الصادقين، ويزول ما كان في قلوبهم من ألفة الشرك وعداوة الإسلام، حتى إن بعضهم أظهر الشماتة- بل الكفر- عند ما وقعت الهزيمة، وكان منهم من ينوي قتل النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمكنته الفرصة، كما يعلم من الروايات الصحيحة الآتية في القصة.
وأما السبب الثاني للهزيمة فهو مثل ما سبق في وقعة أحد من ظهور المسلمين على المشركين، وإقبالهم على الغنائم واشتغالهم بها عن القتال، وعند ذلك استقبلتهم هوازن وبنو نصر بالسهام، وكانوا رماة لا يكاد يخطئ لهم سهم.
روى الشيخان وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وسأله رجل من قيس : أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة، وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء ـ وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها ـ وهو يقول :
أنــا النبـي لا كـذبْ أنــا ابن عـبد المطـلب
وفي رواية لمسلم قال : جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى. ولكنه انطلق إخفاء من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن- وهم قوم رماة- فرموهم برشق من نبل -كأنها رجل من جراد- فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغتة، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول :
أنــا النـبـي لا كـذب أنــا ابن عبـد المطـلب
( اللهم انزل نصرك ). قال البراء : كنا والله إذا احمّر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو وتقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما أصنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما وعلي بردتان مئتزرا بأحدهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما - وهو على بغلته الشهباء- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لقد رأى ابن الأكوع فزعا )، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال :( شاهت الوجوه )، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. ١ اهـ.
عدد من ثبت معه صلى الله عليه وسلم في حنين :
قال الحافظ في شرح حديث البراء من فتح الباري عند قوله : وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء- بعد بيان أن الحارث هذا هو ابن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم- ما نصه : وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال : لما فر الناس يوم حنين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
أنا النبـي لا كـذب أنا ابـن عبد المطلـب
فلم يبق معه إلا أربعة نفر : ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم : علي والعباس بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، ( قال ) : وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل.
وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال : لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل، وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين.
وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفي أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.
وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط وذلك قوله :
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا٢
وعاشرنا وافى الحمـام بنفســه لمـا مسه في الله لا يتوجـع
ولعل هذا هو الثبت، ومن وزاد على ذلك يكون عجل في الرجوع، فعد فيمن لم ينهزم، وممن ذكر الزبر بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس وعتبة ومتعب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجبي فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، فأقبل عليه فضربه في صدره، وقال له :( قاتل الكفار )، فقاتلهم حتى انهزموا. اهـ.
ونقل ابن القيم عن ابن إسحاق بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا، قال : وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأجنابه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الميين ثم قال :( إلى أين أيها الناس ؟ هلم إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله )، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن ـ وقتل يومئذ ـ.

ظهور شماتة المنافقين بالهزيمة :

قال ابن إسحاق : ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الطعن، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرح جبلة بن الجنيد ـ وقال ابن هشام : صوابه كلدة ـ : ألا قد بطل السحر اليوم. فقال له صفوان أخوه لأمه -وكان بعد مشركا- : اسكت، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال : لما كان عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، قلت : أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول : لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا. وكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة. فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته فأصلتُّ السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه، فرفع لي شواظ من نار كالبرق يكاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداني ( يا شيب ادن مني )، فدنوت منه فمسح صدري، ثم قال ( اللهم أعذه من الشيطان )، قال : فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي. ثم قال :( ادن فقاتل )، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، الله أعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء- ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف- فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوى عليها، وخرج في إثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال :( يا شيب ! الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك )، ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط. ( قال ) : فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قلت : استغفر لي، فاستغفر لي فقال :( غفر الله لك ) اهـ. وروي نحو من هذا عن النضر



١ ـ أخرجه البخاري في المغازي باب ١، ٨٩، في الترجمة، ومسلم في الجهاد حديث ١٤٢، والترمذي في الجهاد باب ٦، في الترجمة، وأحمد في المسند ٤/ ٣٦٨، ٣٧١، ٣٧٣..

لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين( ٢٥ ) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين( ٢٦ ) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم( ٢٧ )
هذه الآيات تذكير للمؤمنين بنصر الله لهم على أعدائهم في مواطن القتال الكثيرة معهم ؛ إذ كان عددهم وعتادهم قليلا لا يرجى معه النصر بحسب الأسباب والعادة، وابتلائه إياهم بالتولي والهزيمة يوم حنين على عجبهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك بعناية خاصة من لدنه ليتذكروا أن عنايته تعالى وتأييده لرسوله وللمؤمنين بالقوى المعنوية أعظم شأنا وأدنى إلى النصر من القوة المادية، كالكثرة العددية وما يتعلق بها، وجعل هذا التذكير تاليا للنهي عن ولاية آبائهم وإخوانهم من الكفار، وللوعيد على إيثار حب القرابة والزوجية والعشيرة-ولو كانوا مؤمنين- والمال والسكن على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، تفنيدا لوسوسة شياطين الجن والإنس ـ من المنافقين ومرضى القلوب ـ لهم وإغرائهم باستنكار عود حالة الحرب مع المشركين وتنفيرهم من قتالهم لكثرتهم، ولقرابة بعضهم، ولكساد التجارة التي تكون معهم، وذلك بعد إقامة الدلائل على كون ذلك من الحق والعدل والمصلحة العامة في الدين والدنيا، وفي هذه الغزوة من العبر والحكم والأحكام ما ليس في غيرها، وسنبين المهم منه في إثر تفسير الآيات.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير