ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

وسبحانه وتعالى يقول بعد ذلك :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( ٢٥ ) :
وقوله : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند الله وحده، والدليل على أن النصر من عند الله أنه سبحانه وتعالى قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة، و مَوَاطِنَ جمع " موطن " والموطن هو ما استوطنت فيه. وكل الناس مستوطنون في الأرض، وكل جماعة منا تُحيز مكانا من الأرض ليكون وطنا لها، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذي هو الأرض ؛ لأن الأرض موطن البشرية كلها، ولكن الناس موزعون عليها، وكل جماعة منهم تحيا في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه.
والله سبحانه هنا يقول : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، ومادام الحديث عن النصر، يكون المعنى : إن الحق سبحانه وتعالى قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها، مثل يوم بدر، ويوم الحديبية، ويوم بني النضير، ويوم الأحزاب، ويوم مكة، وكل هذه كانت مواقع نصر من الله للمسلمين، ولكنه في هذه الآية يخص يوما واحدا بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة، فبعد أن تحدث إجمالا عن المعارك الكثير يقول : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ إذن : فكثرة عدد المؤمنين في يوم حنين كان ظرفا خاصا، أما المواطن الأخرى، مثل يوم بدر فقد كانوا قلة، ويوم فيتح مكة كانوا كثرة، ولكنهم لم يعجبوا ؛ ولم يختالوا بذلك، إذن : ففي يوم حنين اجتمعت لهم الكثرة مع الإعجاب، وبذلك يكون حنين له مزية، فهو يوم خاص بعد الحديث العام.
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه، إذن فيوم حنين ليس معطوفا على مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ولكنه جملة مستقلة بنفسها ؛ لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن في بقية المواطن، وهذه دقة في الأداء اللغوي تتطلب بحثا لغويا. فكلمة مَوَاطِنَ هي ظرف مكان، و يَوْمَ حُنَيْنٍ هي ظرف زمان، فكيف جاز أن نعطف ظرف الزمان على ظرف المكان ؟
ونقول : هذا هو ما يسميه العرب " احتباك " ؛ لأن كل حدث مثل " أكل " و " شرب " و " ضرب " و " ذاكر " ؛ كل حدث لابد له من زمان ولابد له من مكان، فإذا قلت : أكلت، نقول : متى ؟ في الصبح، أو في الظهر، أو في العصر، أو في العشاء ؟ وأين ؟ في البيت، أو في الفندق، أو في المطعم، أو في الشارع.
إذن : فلابد لكل حديث من ظرف زمان وظرف مكان، فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة ؛ ظرفية حدوث الفعل، وظرفية زمان حدوث الفعل. فإذا قلت : أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك أين تم الأكل ؟ أو إذا قلت : أكلت في البيت ولم أسألك عن موعد الأكل ظهرا أو عصرا أو ليلا، يكون الحدث غير كامل الظرفية.
ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان في الظرفية، ولكنهما يختلفان، فالمكان ظرف ثابت لا يتغير. والزمان دائم التغير، فهناك الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. والزمان يدور، هناك ماض وحاضر ومستقبل، وهكذا يشترك الزمان والمكان في الظرفية، ولكن الزمان ظرف متغير، أما المكان فهو ظرف ثابت.
وجاءت الآية هنا بالاثنين، ف يَوْمَ حُنَيْنٍ هو زمان ومكان لحدث عظيم، وأخذت الآية ظرف المكان في مواطن كثيرة وظرف الزمان في يوم حنين فإذا قيل : لم يحضر ظرف الزمان والمكان في كل واحدة، نقول : لا، لقد حضر ظرف المكان في ناحية وظرف الزمان في ناحية ثانية، وهذا يسمونه - كما قلنا - " احتباك ". وقد حذف من الأول ما يدل عليه الثاني، وحذف من الثاني ما يدل عليه الأول، فكان المعنى : لقد نصركم الله يوم مواطن كذا وكذا وكذا. فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى " ومواطن يوم حنين "، أي : جاء بالاثنين هنا. ولكن شاء الله سبحانه وتعالى ألا يكون هناك تكرار، فأحضر واحدة هنا وواحدة هناك، وهذا يظهر واضحا في قوله تعالى :
قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ( آل عمران : ١٣ ).
فمادامت الأخرى كَافِرَة تكون الأولى " مؤمنة " ٌ، ولكن حذفت " مؤمنة " لأن " كافرة " تدل عليها، ومادامت المؤمنة تقاتل في سبيل الله، فالفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان. وحذفت تقاتل في سبيل الشيطان ؛ لأن تقاتِل في سبيل الله دلَّتْ عليها. وذلك حتى لا يحدث تكرار. ونجد أن المؤمن الذي يستمع إلى كلام الله تعالى لابد أن يكون عنده عمق فهم، وأن يكون كله آذانا صاغية حتى يعرف وينتبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية. إذن : فيكون ظرف الزمان موجودا في واحدة، وظرف المكان موجودا في واحدة، وكلاهما يدل على الآخر. والمثال على ذلك أنه بعد أن انتهت هذه الغزوة، وعاد المسلمون إلى المدينة مجهدين لم يخلعوا ملابس الحرب، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " ١.
فانطلق المسلمون-دون أن يستريحوا- إلى أرض بني قريظة، وهم اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وخانوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، وبينما الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة كادت الشمس تغيب، فقال بعض الصحابة : إن الشمس ستغيب ولابد أن نصلي العصر، وصلوا. وفرقة ثانية من الصحابة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منا ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة ولم يُصلُّوا حتى وصلوا إلى هناك.
ونقول : إن الفريقين استخدما المنطق ؛ لأن الصلاة تحتاج إلى ظرف زمان وظرف مكان، فالذي نظر إلى ظرف الزمان قال : الشمس ستغيب، وصلى، والذي نظر إلى ظرف المكان الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لم يُصَلِّ.  وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفريقين، واحترم اجتهادهما في : ظرفية الزمان، وظرفية المكان. وفي هذا يروي نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر حتى نأتيهم، وقال بعضهم : بل نصلي، لم يُرَدْ منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم.
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا والغنى هو عدم الحاجة إلى الغير، وحنين٢ هو موضع في واد بين مكة والطائف، تجمَّع فيه الكفار الذين ساءهم فتح المسلمين لمكة، فأرادوا أن يقوموا بعملية مضادة تُضيّع قيمة هذا النصر. فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف، واختاروا مالك بن عوف ليكون قائدهم في هذه المعركة. واستطاع مالك بن عوف أن يجمع أربعة آلاف مقاتل، وانضم إليهم عدد من الأحزاب المحيطين بهم. ووضع مالك خطته على أساس أن يخرج الجيش ومعه ثروات المشاركين في الجيش من مال، وبقر وإبل. وأن يخرج مع الجيش النساء والأطفال. وذلك حتى يدافع كل واحد منهم عن عرضه وماله فلا يفر من المعركة، ويستمر في القتال بشجاعة وعنف ؛ لأنه يدافع عن نسائه وأمواله وأولاده. وبذلك وضع كل العوامل التي تضمن له النصر. بينما المؤمنون عندما تبدأ المعركة سيقاتلون مدافعين عن دين الله ومنهجه.
واجتمع الكفار ونزلوا بواد اسمه " وادي أوطاس ". وكان فيهم رجل كبير السن ضرير. اسمه " دريد بن الصِّمة ". وكان رئيسا لقبيلة " جشم ". فلما وصل إلى مكان المعركة سأل : بأي أرض نحن ؟ نحن بوادي أوطاس. فابتسم وقال : لا حزنا ضرس ولا سهلا دهس، أي أنها أرض مناسبة ليس فيها أحجار مدببة، تتعب الذي يسير عليها، وليست أرضا رخوة تغوص فيها أقدام من يسير عليها، من " الحزن " فالحزن هو : الخشونة والغلظة، و " ضرس " هو : التعب أثناء السير، وأيضا ليست أرضا سهلة منبسطة رملية تغوص فيها الأقدام.
وعندما سمع العجوز بكاء الأطفال وثغاء٣ الشاة، قال : أسمع بكاء الصبيان وخوار البقر. فقالوا له : إن مالك بن عوف استصحب ذراريه واصطحب كل أمواله، فقال : أما الأموال فلا بأس، وأما النساء والذراري فهذا هو الأرعن-أي : لا يفهم في الحرب- أرسلوه لي، فأحضروه له. فلما حضر قال : يا مالك ما حملك على هذا ؟ قال : وماذا تريد ؟ قال : ارجع بنسائك وذراريك إلى عُليَّا دارك، فإن كان الأمر لك ؛ لحقك من وراءك. وإن كان الأمر عليك لم تفضح أهلك وذراريك. فقال له مالك : لقد كبرت وذهب عملك وعقلك. وأصر على رأيه. ثم بدأ مالك بن عوف يرتب الجيش في الشِّعاب وتحت الأشجار حتى لا يراهم المسلمون عند مجيئهم. فيتقدمون غير منتبهين للخطر، وحينئذ يتم الهجوم عليهم من كل جهة ومن كل مكان.
وعندما جاء جيش المسلمين لم ينتبهوا إلى وجود الكفار المختفين عن الأعين. وحينئذ أعطى مالك بن عوف إشارة البدء بالهجوم، فخرج الكفار من كل مكان. وفاجأوا المسلمين بهجوم شديد، قال المتحدث : فو الله ما لبث المسلمون أمامهم إلا زمن حلب شاة، حتى إنه من قسوة المعركة وضرواتها وقوة المفاجأة انهزم جيش المسلمين في الساعات الأولى للمعركة، ووصل بعض الفارين من القتال إلى مكة ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة إلا تسعة بينهم العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ممسكا بالدابة التي يركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيدنا علي بن أبي طالب وكان يحمل الراية. وسيدنا الفضل، وكان يقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيدنا أبو سفيان بن الحارث بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقف على يساره. وكان معهم أيمن بن أم أيمن وعدد من الصحابة٤.
وهنا نتساءل : لماذا حدثت هذه الهزيمة للمسلمين في بداية المعركة ؟ لأنهم عندما خرجوا إلى الحرب قالوا : نحن كثرة لن نهزم من قلة، وبذلك ذهبوا إلى الأسباب وتناسوا المسبب، فأراد الله أن يعاقبهم عقابا يخزيهم ويُعْلي من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث، قال للعباس-وكان العباس صاحب صوت عال : إذن في الناس، فقال العباس بصوت عال : يا معشر الأنصار-يا أهل سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة. فلما سمع الناس نداء العباس، قالوا : لبيك لبيك. وكان الذي يقول : " لبيك " يسمعه من هم وراءه ويقولون مثله، حتى عاد عدد كبير من المؤمنين إلى القتال، وحمى القتال واشتدت الحرب وصار لها أوار٥، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم : الآن حمى الوطيس، أي اشتدت الحرب، ثم قال عليه الصلاة والسلام : " أنا النبي لا كذب، أنا عبد المطلب ".
ويروي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب، فقد جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رجلا قال له : يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوزان كانوا قوما رُماةً، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فل

١ متفق عليه: أخرجه البخاري (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠) من حديث ابن عمر..
٢ حنين: اسم موضوع بأوطاس، عرف باسم رجل اسمه: حنين بن قانية بن مهلائيل من العماليق، كما في معجم البكري..
٣ ثغاء الشاة: صوت الغنم والماعز وضجيجها..
٤ انظر: زاد المعاد في هدى خير العباد (٢/١٨٧-١٨٥).
٥ الأوار: الدخان واللهب..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير