ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

لقد نصركم الله اللام جواب قسم محذوف، والله لقد نصركم الله. أي : أعانكم على أعدائكم في مواطن كثيرة أي : في مشاهد ومواضع كثيرة، كما نصركم يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم فتح مكة، وإلى غير ذلك ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم [ التوبة : آية ٢٥ ] بين الله في هذه الآية الكريمة أن النصر من عند الله وحده، لا بكثرة العدد ولا بكثرة العدد، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصبرين [ البقرة : آية ٢٤٩ ] لأن أكثر غزاة قبل تبوك غزاها النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين، كانوا اثني عشر ألفا، عشرة آلاف مقاتل فتح بهم مكة، وألفان من مسلمة الفتح من قريش ومن معهم وهم الطلقاء. وكان بعض العلماء يقول : إنه دخل مكة وفتحها باثني عشر ألفا. فيكون المجموع : أربعة عشر ألفا. ذكروا أن الصحابة قالوا : لن نغلب اليوم من قلة. بعضهم يقول : إن هذه قالها أبو بكر ( رضي الله عنه )، وقيل : قالها رجل آخر. فلما أعجبتهم الكثرة وأنهم كانوا اثني عشر ألفا، أو أربعة عشر ألفا، وقيل : ستة عشر ألفا. وأكثر الروايات أنهم كانوا اثني عشر ألفا، عشرة آلاف فتح بهم مكة، وألفان من أهل مكة أسلموا وغزوا معه. فلم تغن عنكم هذه الكثرة شيئا عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين وهذا نص الله فيه على ما وقع بالمسلمين أول وقعة حني، يبين لهم أن النصر من عنه ( جل وعلا ) وحده لا من كثرة العدد والعدد.
ونحن دائما في هذه الدروس إذا جاءت غزوة من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآيات القرآنية نفصلها ونذكر تفاصيلها لتمام الفائدة كما أوضحنا فيما مضى غزوة أحد في سورة آل عمران، وغزوة [ بدر ] ١ في سورة [ الأنفال ] ٢، وسيأتي في سور القرآن العظيم أكثر مغازيه صلى الله عليه وسلم.
وهذه الغزوة التي أشار لها الله هنا وبين أن الصحابة أعجبتم كثرتهم فيها، وأن كثرتهم لم تغن عنهم شيئا، وأنهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولوا مدبرين، هي غزوة حنين، وسنشير الآن إلى هذه الغزوة ونذكر تفاصيلها.
أما حنين فهو واد من أودية تهامة بين مكة والطائف غير بعيد من ذي المجاز، وأما الذين غزاهم فهم هوازن، وهوازن قبيلة من قبائل قيس عيلان بن مضر ؛ لأن هوازن هو ابن منصور بن خصفة بن عكرمة ٣ بن قيس عيلان بن مضر.
قال بعض أصحاب المغازي و السير ٤ : لما سمع هوازن بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من [ المدينة ] ٥ ظنوا أنه يقصدهم في غزاة الفتح فتجمعوا، جمعهم رئيسهم في ذلك الوقت، ورئيسهم في ذلك الوقت مالك بن عوف النصري من بني نصر بن بكر بن هوازن. ثم لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة جمعهم مالك بن عوف وعزموا على مقاتلة النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بأخبارهم فأرسل إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ( رضي الله عنه ) عينا يعرف له أخبارهم، فدخل في القوم مختفيا وسمع أخبارهم، وعرف أنهم عازمون على حرب النبي صلى الله عليه وسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد فتح مكة في رمضان من سنة ثمان.
قال بعض أصحاب المغازي ٦ : فتحها لعشرين خلت من رمضان وعشر بقيت، وأنه أقام العشر الأواخر من رمضان بمكة بعد أن فتح مكة وخمس ليال من شوال، ثم غزا بعد خمس عشرة ليلة من فتحه مكة غزا هوازن باثني عشر ألفا من أصحابه، عشرة آلاف الذين فتح بهم مكة، والألفان الذين أسلموا وخرجوا غازين معه من الطلقاء أهل مكة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بأن هوازن تجمعوا له في وادي حنين فقصدهم ( صلوات الله وسلامه عليه ) وقد صلى ( صلوات الله وسلامه عليه ) الصبح، وفي مخرجه هذا من مكة إلى حنين. مر بذات أنواط، وهي سدرة خضراء كبيرة كان المشركون يأتونها يوما من السنة يذبحون عندها، ويعكفون عندها، ويعلقون عليها سلاحهم تسمى " ذات أنواط " وكان كثير ممن معه حديث عهد بالإسلام، فقالوا له : يا نبي الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال ( صلوات الله وسلامه عليه ) : الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده ما قال قوم موسى لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال إنكم قوم تجهلون [ الأعراف : آية ١٣٨ ] ٧ وكان العباس بن مرداس السلمي قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قاصدا هوازن قال قصيدة يصف فيها جيش رسول الله صلى الله وسلم وما يعزم عليه من غزو هوازن منها أنه يقول ٨ :
أبلغ هوازن أعلاها وأسلفها *** عني رسالة نصح فيه تبيان
إني أظن رسول الله صابحكم *** جيشا له في فضاء الأرض أركان
فيهم سليم أخوكم غير تارككم *** والمسلمون عباد الله غسان
وفي عضادته اليمنى بنو أسد *** والأجربان بنو عبس وذبيان
تكاد ترجف منه الأرض رهبته *** وفي مقدمه أوس وعثمان
يعني ب( أوس وعثمان ) قبيلتي مزينة من قبائل أد بن طابخة بن إلياس، ومزية أمهم. فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبا منهم كان مالك بن عوف جمع جميع من طاوعه من هوازن، وكانت خرجت معه بنو نصر كلها ( بنو نصر بن بكر بن هوازن )، وبنو جشم كلها، ( جشم بن بكر بن هوازن ) وبنو سعد كلهم، ( سعد بن بكر بن خوزان )، ولم يخرج معه كثير من بني عامر بن صعصعة من قبائل هوازن، تخلف عنه بنو ربيعة، وبنو كلاب، وجاء معه أوزاع قليلة من بني هلال بن عامر بن صعصعة، وجماعة من بني عمرو بن عامر بن صعصعة، وبني عوف بن عامر بن صعصعة، وجاء معه ثقيف كلها، وكانت ثقيف كلها ترجع إلى قبيلتين، وثقيف أهل الطائف، وثقيف هو ابن بكر بن منبه بن هوازن، هم من قبائل هوازن، وإن كان كثير من الناس يظن أنهم مع هوازن، فهم من هوازن ؛ لأن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن جاءت معه ثقيف كلها لم يبق منهم أحد، وكان رئيس الجميع مالك بن عوف النصري، وكان في ثقيف أهل الطائف رئيسان، رئيس الأحلاف، ورئيس بني مالك ؛ أما رئيس الأحلاف ذلك اليوم فهو قارب بن الأسود بن مسعود بن المعتب، ورئيس بني مالك هو ذو الخمار، وهو سبيع بن الحارث، وأخوه أحمر بن الحارث. وجاء دريد بن الصمة من بني جشم بن بكر، وكان سيدا عظيما من سادات هوازن، مجربا في الحروب، وكان في ذلك الوقت شيخا فانيا يرتعش، لا فائدة فيه إلا التيمن برأيه، جاء راكبا في شجار ٩ له، وكان جماع الناس إلى مالك بن عوف النصري، فقال دريد : هذا المحل الذي أنتم فيه أي واد أنتم فيه ؟ قالوا : نحن الآن بوادي أوطاس. قال : نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس ولا سهل دهس. ثم إنه قال : ما لي أسمع بكاء الصغير، ونهاق الحمير، ورغاء البعير، ويعار الشاء ؟ قالوا له : جمع مالك بن عوف مع هوازن مواشيهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم ! ! فقال : أين مالك ؟ فدعي له مالك بن عوف، فقال : يا مالك ! ! لقد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده، فما لي أسمع رغاء البعير، وبكاء الصغير ونهاق الحمير، ويعار الشاء ؟ قال : سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأولادهم. قال : ولم ؟ قال : أريد أن يكون عند ظهر كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم ولا يفر. فقال دريد يهزأ بمالك ( أنقض به ) – أي أخرج من فمه صوتا استهزاء به – وقال : راعي ضأن والله، هل يرد المنهزم شيء ؟ ! هذا ليس برأي ؛ لأنها إن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فكان الأولى أن تردهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، فإن كانت لك فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. فقال مالك : والله لا أفعل غير هذا. ثم قال : يا معشر هوازن والله لتطيعنني أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ! ! فقالوا : أطعناك. فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ولم يفتني. ثم قال : هل حضر أحد من بني كعب أو كلاب ؟ قالوا : ما حضرها أحد من بني كعب ولا كلاب. يعني كعبا وكلابا أولاد عامر بن صعصعة. قال : غاب الجد والحد ١٠ لو كان يوم رفعة وعلاء لم يغب عنه كعب وكلاب. وقال : من حضرها من عامر ؟ قالوا : بنو عوف بن عامر، وبنو عمرو بن عامر قال : ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران. ثم قال دريد ١١ :
يا ليتني فيها جذع *** / أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع *** ١٢ كأنها شاة صدع١٣
ثم إن مالك بن عوف أمرهم فكمنوا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مضايق وادي حنين وأحنائه كانوا في مضايق الوادي بجنبتي الوادي كامنين له.
وقال لهم ملكهم – مالك بن عوف النصري - : إذا أقبل عليكم القوم فشدوا عليهم شدة رجل واحد. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح وسار بأصحابه في الغلس – يعني : بقية ظلام الليل مختلطة بضياء الصبح – فانحدروا في وادي حنين يمشون، فلم يشعروا بشيء إلا وقد دخلوا في مكمن القوم، فشدوا عليهم شدة رجل واحد، وصارت الرماح والسهام كأنها رجل جراد منتشر عليهم، فوقع ما وقع، وزل المسلمون، ووقع ما قال الله : فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين فثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء، وبعضهم يقول : الشهباء ؛ لأن لونها بياض فيه شهبة. والعباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه ) آخذ بزمامها. وبعضهم يقول : آخذ بركابها الأيمن، أو حكمتها، وآخذ بركبها الثاني أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مع النبي جماعة من آل بيته، منهم علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه )، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، والفضل بن العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه )، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الثبات العظيم، وكان يركض البغلة في نحر العدو يسرع إليهم ويقول :
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب
وهذا من الشجاعة منقطع النظير ١٤ ؛ لأنه على بغلة لا تحسن الكر ولا الفر لا تصلح لكر ولا لفر، وقد انكشف عنه أصحابه ( صلوات الله وسلامه عليه )، وليس معه إلا قوم قليل، ومع هذا يركض في وجه العدو وينوه باسمه ليعرفه من لم يكن يعرفه ! ! وقال للعباس بن عبد المطلب – وكان رجلا ضخما قويا جهير الصوت جدا – ناد : يا أصحاب السمرة. فنادى العباس بأعلى صوته : يا أصحاب السمرة. والسمرة هي شجرة الحديبية التي وقعت تحتها بيعة الرضوان، وقد بايعوه فيها على أن يفروا عنه. وفي بعض المرات يقول : يا أصحاب السمرة، يا سورة البقرة. يدعوهم. فسمعوا نداءه فقالوا : يا لبيك. وتراجع إليه المسلمون من كل فج، وقد أعجزهم أن يردوا الأباعر التي يركبونها ؛ لأنها آلمها وقع السهام، فلم يقدروا على ردها ولا عطفها.
قال العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه ) : فوالله لما ناديتهم فسمعوا صوتي فكأنما عطفوا عليه عطفة البقر على أولادها. وكان ( صلوات الله وسلامه عليه ) أخذ قبضة من تراب فرمى بها أوجه القوم وقال : شاهت الوجوه. وذكر ابن عبد البر وغير واحد أنه روى من طرق كثيرة عن أولاد أولئك الجيش الذين أسلموا بعد ذلك أنهم قالوا : لقينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما لبثنا أن هزمناهم واتبعناهم حتى أتينا على صاحب البغلة الشهباء فزجرنا زجرا قويا، وأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها في أوجهنا فلم تبق عين ولا فم إلا امتلأت من ذلك الحصى. ورجعوا منهزمين، فمن ذلك الوقت الذي رمى تلك القبضة في أوجه

١ في الأصل: "الأنفال". وهو سبق لسان..
٢ في الأصل: "بدر". وهو سبق لسان..
٣ في ابن هشام (١/ ١٧٦) ابن عكرمة بن خصفة..
٤ السابق ص ١٢٨٣..
٥ في الأصل: "مكة". وهو سبق لسان..
٦ السابق ص ١٢٨٢..
٧ أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨)، وعبد الرزاق (٢٠٧٢٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٦)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء "لتركبن سنن من كان قبلكم" حديث رقم: (٢١٨٠) (٤/ ٤٧٥)، والحميدي (٨٤٨)، ، والطيالسي (١٣٤٦)، والطبراني في الكبير (٣٢٩٠، ٣٢٩٤)، وابن حبان (الإحسان ٨/ ٢٤٨)، وابن نصر في السنة ص ١٦، ١٧، وابن جرير (١٣/ ٨١، ٨٢)..
٨ القصيدة في سيرة ابن هشام ص ١٢٨٧..
٩ الشجار: يشبه الهودح لكنه غير مغطى من الأعلى..
١٠ الحد: يعني الحدة والشجاعة..
١١ ذكرهما ابن هشام في السيرة ص ١٢٨٥، مرويات غزوة حنين (١/ ٢٣٤)..
١٢ الوطفاء: طويلة الشعر.
الزمع: الشعر الذي فوق مربط قيد الدابة. فهو يذكر صفة فرس..

١٣ الشاة هنا: الوعل.
والصدع: الفتى القوي الشاب من الأوعال ونحوها..

١٤ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير