قوله : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء [ التوبة : آية ٢٧ ] على من يشاء أن يتوب عليه، وهذه يفهم منها أنه تعالى تاب على الذين انهزموا وإن لم يصرح بها. أما الذين انهزموا يوم أحد فقد صرح بأنه تاب عليهم في قوله : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطن ببعض ما كسبوا [ آل عمران : آية ١٥٥ ]. وقوله هنا : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء
التوبة تطلق من الله على عبده، ومن العبد إلى ربه، فإذا أطلقت التوبة من العبد إلى ربه عديت ب ( إلى ) ولم تعد ب ( على ) تقول : تبت إلى الله. ولا تقول : تبت على الله. وإذا توجهت من الرب إلى عبده عديت ب ( على ) تقول : تاب الله عليه. ولم تقل : تاب إليه. أما التوبة الواقعة من المخلوقين فإن الوصف منها يطلق على ( تائب ) وعلى ( تواب ) بصيغة المبالغة. أما توبة الله على عبده فلم يأت الوصف منها إلا على ( تواب ).
وقد قدمنا مرارا ١ أن توبة العبد إلى ربه المستوجبة لتوبة الله على عبده أنها واجبة فورا من كل ذنب، وأن من أخرها كان ذلك ذنبا تجب منه التوبة.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٢ أن في التوبة إلى الله ( جل وعلا ) إشكالين معروفين عند العلماء :
أحدهما : إطباق العلماء على أن توبة العبد إلى ربه هي مركبة من ثلاثة أركان، وهي : إقلاعه عن الذنب إن كان متلبسا به، وندمه على ما صدر منه، ونيته أن لا يعود. فهذه هي الأركان التي تتألف منها توبة العبد النصوح إلى ربه، الذي إذا فعلها جاءته توبة الله ؛ لأن الله يتوب على من تاب عليه، كما قال ( جل وعلا ) : توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم [ التحريم : آية ٨ ] وهم يقولون : " عسى من الله واجبة " ٣. هذا فيه إشكالان معروفان :
أحدهما : أن التوبة واجبة بإجماع العلماء فورا من كل ذنب يجترم. فعلينا جميعا إذا صدر من الواحد منا ذنب أن يرجع إلى الله ويتوب إليه فورا ولا يؤخر التوبة من ذلك، فإن أخرها كان تأخيرها ذنبا يحتاج إلى توبة أخرى. والندم من أركانها بالإجماع، وركن الواجب واجب، والإشكال هنا في الندم ؛ لأن المعروف أن الندم من الانفعالات النفسية والتأثرات، لا من الأفعال الاختيارية كما هو مشاهد، والعلماء مجمعون على أنه لا تكليف إلا بفعل اختياري، وأن الانفعالات والتأثرات النفسانية لا يملكها أحد، فكيف يكلف بالندم ويوجب عليه وهو انفعال وتأثر نفساني ليس تحت طاقته، وأنت تشاهد الإنسان يجاهد نفسه ليطرد عنها الندم، لأنه انفعال وتأثر، كما أن بعض الناس يريد أن يندم ولا يندم إذا كان الذنب الذي وقع فيه – والعياذ بالله – مما كان يشتهيه جدا، كالذي يظفر بقبلة من امرأة يعشقها، إذا أخطر ذلك على قلبه يصعب عليه أن يندم عليه ؛ لأنها أمنيته التي كان يرجوها فإذا كان الندم قد يريده الإنسان ولا يجده، وقد يدفعه عنه ولا يندفع، وهو انفعال وتأثر نفساني فكيف يكون ركنا من أركان التوبة، ويكون واجبا، ومعلوم إجماع العلماء على أن الله لا يكلف إلا بفعل ؟
هذا الإشكال أجاب عنه العلماء بأن المراد بإيجاب الندم هو إيجاب الأخذ في أسبابه ؛ لأن الإنسان إذا أخذ بأسباب الندم أخذا صحيحا ولم يحاب نفسه لا بد أن يندم، ومن كانت أسبابه الموصلة إليه متيسرة في طوع المكلف فكأنه متيسر في طاقة المكلف ؛ لأن الإنسان إذا أخذ نفسه أخذا حقيقيا وعرفها في داخل قرارة نفسه أنه لا يوجد في الدنيا إنسان يبلغ من البله والتغفيل ما يستلذ به طعاما أو شرابا حلوا وفيه سم قاتل ؛ لأن عامة العقلاء لا يحبون الطعام الحلو ولا الشراب الحلو ولو كان في غاية اللذاذة والحلاوة إذا كان في داخله سم فتاك قاتل، هذا يعافه جميع الناس ويكرهونه، ولا شك أن حلاوات المعاصي ولذاذاتها عن الجهلة، وإنما هي منطوية عليه من السم القاتل الفتاك، وهو سخط خالق السماوات والأرض وغضبه، أن العاقل إذا تأمل في تأملا حقيقيا ولم يحاب نفسه لا بد أن يندم، ومن كانت أسبابه الموصلة إليه متيسرة في طوع المكلف فكأنه متيسر في طاقة المكلف ؛ لأن الإنسان إذا أخذ نفسه أخذا حقيقيا وعرفها في داخل قرارة نفسه أنه لا يوجد في الدنيا إنسان يبلغ من البله والتغفيل ما يستلذ به طعاما أو شرابا حلوا وفيه سم قاتل ؛ لأن عامة العقلاء لا يحبون الطعام الحلو ولا الشراب الحلو ولو كان في غاية اللذاذة والحلاوة إذا كان في داخله سم فتاك قاتل، هذا يعافه جميع الناس ويكرهونه، ولا شك أن حلاوات المعاصي ولذاذاتها عند الجهلة، وإنما هي منطوية عليه من السم القاتل الفتاك، وهو سخط خالق السماوات والأرض وغضبه، أن العاقل إذا تأمل في هذا تأملا حقيقيا ولم يحاب نفسه وأخذها بالتحقيق لا بد أن يندم ؛ لأن الإنسان لو نال ما نال من حلاوة الذنب فهو يعلم أن تلك الحلاوة منطوية على أشد السموم وأفتكها وهو سخط خالق السماوات والأرض وغضبه ؛ لأنه قد يستوجب هلاكه في الدنيا وعذابه السرمدي في الآخرة، وهذا معروف ؛ لأنه لا يأخذ الإنسان في أسباب الندم أخذا صحيحا حقيقيا ويعرف عواقب الذنب وسرعة انقضاء حلاوته.
| فلا تقرب الأمر الحرام فإنما | حلاوته تفنى ويبقى مريرها ٤ |
| تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها | من المعاصي ويبقى الإثم والعار |
| تبقى عواقب سوء من مغبتها | لا خير في لذة من بعدها النار ٥ |
الإشكال الثاني : هو ما ذكره العلماء في الإقلاع ؛ لأن الإقلاع عن الذنب والكف عن شر الذنب، وعدم التمادي فيه، هذا ركن من أركان التوبة، فلا توبة مع عدم الإقلاع ؛ لأن المتلبس بالذنب الذي لم يقلع عنه لا توبة له بإجماع العلماء، والإشكال في هذا أن بعض الناس يتوب مع تعذر الإقلاع عليه، كالذي كان ينشر بدعة من البدع حتى طارت في أقطار الدنيا، وصار يعمل بها في مشارق الأرض ومغاربها، ومعلوم أن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. ثم إنه ندم على بدعته وأراد الإقلاع والرجوع عنها، لكن شره منتشر مستطير في أقطار الدنيا ؛ لأن البدعة التي بث وهي إلى الآن في أقطار الدنيا يتناقلها الناس بعضهم عن بعض، ويضلون بها بعضهم عن بعض، فهل نقول : هذا مقلع ؛ لأنه فعل غاية ما يستطيع، أو نقول : ليس بمقلع ؛ لأن فساده لم يزل فهو منتشر في أقطار الدنيا الآن ؟
ومن هذا القبيل : من غصب أرضا، كأن غصب أرضا مثلا عشرين ميلا في عشرين ميلا وهو جالس في وسطها، ثم إنه ندم على الغصب وأراد أن يخرج من الأرض المغصوبة نادما، الزمن الذي يمكثه قبل أن يخرج منها لو أدركه الموت وهو فيها هل نقول : هل هذا تائب ؛ لأن فعل في غاية ما يستطيع ؟ أو نقول : لم يقلع ؛ لأنه إلى الآن لم يتخل عن الشيء الذي غصبه، بل هو في جوزته على الآن، وهو يشغله بجسمه ؟ ومن هذا المعنى : من رمى إنسانا من بعيد بسهم ثم لما فارق السهم ندم والسهم في الهواء فتاب إلى الله ( جل وعلا ) والسهم في الهواء، ثم بعد أن تاب أصاب السهم في الرمية فقتله، هل نقول : هو تائب ؛ لأنه فعل في ذلك الوقت ما يستطيع، أو نقول : ليس بتائب ؛ لأن فساده منتشر، وأثر جريمته باق لم ينقطع ؟ هذه مسائل اختلف فيها علماء الأصول حول الإقلاع عن الذنب في التوبة ٦. والمحققون من علماء الأصول أن الإنسان إذا فعل غاية ما في وسعه وندم على ما صدر منه أن الله يغفر له بذلك ويتوب عليه ؛ لأن الله يقول : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء مفعول المشيئة محذوف، أي : ويتوب الله على من يشاء أن يتوب عليه والله ( جل وعلا ) غفور رحيم كثير المغفرة والرحمة لعباده ؛ لأن الله غفور رحيم، فقد جاء في غزوة حنين هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي تصيح تطلب ولدها وهي في غاية التشويش إليه حتى وجدته فجعلت تقلبه وتضمه إليها من شدة شفقتها عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أترون هذه طارحة ولدها هذا في النار ؟ قالوا : لا. قال : ولم ؟ قالوا : لشفقتها عليه. قال : الله أرحم بكم من هذه بولدها ٧ ؟ فالله ( حل وعلا ) أرحم من كل شيء.
| فلو أن فرعون لما طغى | وقال على الله إفكا وزورا |
| أناب إلى الله مستغفرا | لما وجد الله إلا غفورا ٨ |
٢ السابق..
٣ مضى عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة الأنعام..
٤ البيت في تاريخ دمشق (١٤/ ٣٣٤) ونسبه للحسين بن مطير..
٥ البيتان قي الآداب الشرعية (٢/ ٢٢٧)، شعر الدعوة الإسلامية في عهد النبوة والخلفاء الراشدين ص ٥١٦، وقد نسبها بعضهم لعثمان بن عفان (رضي الله عنه)..
٦ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأنعام..
٧ البخاري في الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. حديث رقم: (٥٩٩٩) (١٠/ ٤٢٦)، ومسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه، حديث رقم: (٢٧٥٤) (٤/ ٢١٠٩)..
٨ مضى عند تفسير الآية (٦٧) من سورة الأنفال..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير