ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

قال الله تعالى ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء أن يهديه إلى الإسلام والله غفور رحيم قال : ابن إسحاق في رواية يونس بن بكر عن ابن عمر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوزان بالجعرانة وهم أربعة عشر رجلا ورأسهم زهير بن صرد وفيهم بويرقان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وقد أسلموا، فقال : يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال : يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا عماتك وخالاتك يعني من الرضاع وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر يعني ملك الشام من العرب أو للنعمان بن المنذر يعني ملك العراق من العرب ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت يا رسول الله خير المكفولين ثم أنشد بعض الشعر. وروى الصالحي عن زهير بن صرد الجشمي يقول، لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ويوم هوزان وذهب يفرق السبي والشاة أتيته فإن شاءت أقول أمنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر وقرأ أشعارا قال : فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال :" ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " وقالت قريش ما كان لنا فهو لله ولرسوله وقالت : الأنصار : ما كان لنا فهو لله ورسوله قال الصالحي : هذا حديث جيد الإسناد عال جدا رواه أيضا المقدسي في " صحيحه " ورجح الحافظ بن حجر انه حديث حسن.
وروى البخاري في " الصحيح " حديث مروان ومسور بن مخزمة، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه وفد هوزان مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" معي من ترون وأحب الحديث ألي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال " قالوا : فإنا نختار سبيا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال :" أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب أن يكون على حظه نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل " فقال : الناس قد طبنا ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا لا أدري من أذن منكم في ذلك فمن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاءهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا " ١ روى أبو داود والبيهقي وأبو يعلى عن أبي الطفيل قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بالجعرانة لحما فجاءت امرأة بدوية، فلما دنت من الرسول صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه فجلست عليه فقلت : من هذه ؟ فقالوا : أمه التي أرضعته ٢، وروى أبو داود في " المراسل " عن عمرو بن السائب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع بعض ثوبه فقعد عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه.
وقال محمد بن عمر لما هزم المشركون يوم حنين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب العدو لخيله إلى قدرتم على بجاد رجل من بني سعد فلا يفلتن منكم وقد كان أحدث حدثا عظيما، كان أتى رجلا مسلما فأخذه فقطعه عضوا عضوا ثم حرقه بالنار وكان قد عرف جرمه فهرب فأخذه الخيل فضمروه إلى الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني من الرضاعة وأتبعوها في الساق فجعلت شيماء تقول إني والله أخت صاحبكم فلم يصدقوها فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا محمد إني أختك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما علامة ذلك ؟ فأرته عضة بإبهامها فقالت : عضة عضضتنيها وأنا متوركتك بوادي السرب ونحن نرعى بهم أبيك وأبي وأمك وأمي وقد نازعتك الثدي، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فوثب قائما وبسط رداءه ثم قال :" اجلسي عليه " وترحب بها ودمعت عيناه وسأله عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما فقال :" إن أحببت أقيمي عندنا مكرمة وإن أحببت أن ترجعي إلى قومك وصلتك ورجعتك إلى قومك " قالت : بل أرجع إلى قومي فأسلمت فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية وأمر لها ببعير أو بعيرين وقال لها ارجعي إلى الجعرانة تكونين مع قومك فإني أمضي إلى الطائف فرجعت إلى جعرانة، ووافها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها نعما وشاة ولمن بقي من أهل بيتها وكلمته في بجادان يهبه لها ويعفو عنه ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق في رواية يونس بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من رد سبايا هوازن ركب بعيره وتبعه الناس يقولون : يا رسول الله اقسم علينا فيئا حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال :" يا أيها الناس ردوا علي ردائي فو الذي نفسي بيده لو كان عندي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفتموني بخيلا ولا كذابا " الحديث، قال : ابن إسحاق أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافا من أشراف العرب يأتلف بعم قلوبهم، قال : محمد بن عمر بالموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، قال : الصالحي : منهم من أعطى مائة بعير ومنهم من أعطى خمسين وجميع ذلك يزيد على خمسين رجلا، ثم ذكر الصالحي أسمائهم فذكرهم سبعا وخمسين رجلا. روى الشيخان في " الصحيحين " عن حكيم بن حزان قال :" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين مائة من الإبل فأعطانيها ثم سألته مائة فأعطانيها ثم قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا حكيم إن هذا المال حلوة فمن اخذ بسخاوة نفس بورك فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول " فقال : حكيم : والذي بعتك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا ٣، فكان عمر بن الخطاب يدعوه إلى عطاءة فيأبى أن يأخذ فيقول عمر أيها الناس أشهدكم على حكيم بن حزام أدعوه إلى عطاءه فيأبى أن يأخذ قال : ابن أبي الزياد اخذ حكيم المائة الأولى فقط وترك الباقي، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو مائة وأبو سفيان بن حرب مائة من الإبل وأعطاه أربعين أوقية فضة وابن معاوية مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة ويزيد بن أبي سفيان مائة يغير وأربعين أوقية هكذا، روى البخاري عن صفوان قال : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه " وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم " أعطاه مائة من النعم ثم مائة ثم مائة " قال : محمد بن عمر يقال : إن صفوان طاف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله على رسوله فيه غنم وإبل ورعاء مملوء فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب ؟ قال : نعم، قال :" هو لك بما فيه " فقال : صفوان أشهد أنك رسول الله ما طابت بهذا نفس احد قط إلا نبي ٤.
روى أحمد ومسلم والبيهقي عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مائة من الإبل وذكر الحديث وفيه أعطى العباس بن مرداس دون المائة فأنشاء العباس يقول : أتجعل نهبي العبيد بن عيينة والأقرع فما كان حصين ولا حابس يقومان مرداس في المجمع إلى آخر الأبيات، فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم المائة وأعطى عثمان وعدي بن قيس وعمير بن وهب وعلام بن جارية ومخرمة بن نوفل وغيرهم كل واحد منهم خمسين بعيرا ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم ثم فضها على الناس، فكانت سهمانهم لكل رجل منهم أربعة من الإبل أو أربعين شاة فإن كان فارسا أخذ اثني عشر من الإبل أو عشرين ومائة شاة وغن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له فقلت : عطاءه صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم يبلغ أربعة آلاف بعير أو زائدا عليه، وقد مر فيما سبق أن إبل المغنم كانت أربعة وعشرين ألف بعيرا، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وهي تساوي أربعة آلاف بعير فصار المجموع ثمانية وعشرون ألف بعير فخمسة يكون أقل من خمسة آلف بعير فعطاء المؤلفة لا يخلوا إما أن يكون أقل من خمسة آلاف فعطاء المؤلفة لا يخلوا إما أن يكون من رأس الغنيمة أو من جميع الخمس ولا يمكن أن يكون من خمس الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزم من هذا إما التنفيل بعد الإحراز بلا شرط سبق والصرف الخمس إلى صنف واحد وجعل المؤلفة صنفا من الفقراء والله اعلم.
ولما كان رجال العسكر اثني عشر ألفا ومنهم الفرسان وصار سهم الراجل أربعة والفارس اثني عشر بعيرا فهذا يقتضي أن يبلغ الغنيمة ستين ألف بعيرا وأكثر أو اقل ولعل ذلك بضم قيمة العروض والنقود إلى المواشي والله اعلم.
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن الحارث التيمي أن قائلا قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه قال : محمد بن عمر هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصين والأقرع بن حابس مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة بن حصين والأقرع بن حابس ولكني أتألفها ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه " وروى البخاري عن عمرو بن تغلب قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا فقال :" إني لأعطي أقواما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل أقواما ما جعل الله في قلبوهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب، قال : عمرو : فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم ٥، وفي هذا المقام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار على وجهه " ٦رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص.
روى ابن إسحاق واحمد عن أبي سعيد الخدري واحمد والشيخان من طرق عن أنس بن مالك والشيخان عن عبد الله بن يزيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب غنائم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، وفي رواية طفق يعطي رجالا المائة من الإبل ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم المقالة حتى قال : قائلهم يغفر الله لرسوله الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الهوا العجيب يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا يقطر من دمائهم إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطي الغنيمة غيرنا ودوننا ممن كان هذا فإن كان من الله صبرنا وإن كان من رسول الله استعتبناه، فقال : رجل من الأنصار : لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد أثر عليكم فردوا عليه ردا عنيفا قال : فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فقال : أبو سعيد فمشى سعد بن عبادة فقال : رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم قال : فيم ؟ قال : فيما كان من قسمك هذا الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء فقال : أين من ذلك يا سعد ؟ قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :"

١ أخرجه البخاري في كتاب: الوكالة، باب: إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز (٢٣٠٧).
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في بر الوالدين (٥١٣٥).
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف في المسألة (١٤٧٢)، وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: بيان ان اليد العليا خير من اليد السفلى (١٠٣٥)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل باب: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا وكثرة عطائه (٢٣١٣).
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب: من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد (٩٢٣)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان باب: إذ لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان الاستسلام او الخوف من القتل (٢٧) واخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: تالف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه (١٥٠).

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير