لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ( ٢٥ ) ثمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ( ٢٦ ) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٢٥-٢٧ ).
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
الإيضاح :
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم أي يثوب الله بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام إذا لم تحط بهم خطيئات الشرك وخرافاته، ولم يختم على قلوبهم بالإصرار على الجحود والتكذيب، وهو غفور لهم يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي، رحيم بهم يتفضل عليهم ويثيبهم بالأجر والجزاء.
وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم : روى البخاري عن المِسْوَر بن مَخْرَمة أن ناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سُبِي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا، وقد سبى يومئذ ستة آلاف وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى فقال عليه الصلاة والسلام :( إن عندي من ترون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم ) قالوا : ما كنا نعْدِل بالأحساب شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( هؤلاء جاؤونا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده شيء وطابت به نفسه أن يرده فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه )، قالوا : رضينا وسلّمنا، فقال صلى الله عليه وسلم :( إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا، فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضُوا ).
تفسير المراغي
المراغي