إذن : فالفسق في هذه الآية الكريمة ليس هو الخروج عن مطلق الطاعة. ولكنه فسق من نوع خاص ؛ لأن هناك فسقا محدودا وهو أن يخرج الإنسان عن مجرد تكليف. ولكن الفسق الكبير هو أن يكفر الإنسان بالله. ولذلك جاءت الآية الكريمة التالية :
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ( ٥٤ ) .
إذن : فالفسق نوعان : فسق عام، وفسق خاص. وقد يقول البعض : إنك إن ارتكبت معصية فصلاتك وزكاتك معصية فصلاتك وزكاتك وكل عباداتكم لا تنفعك.
ونقول : لا فما دامت القمة سليمة ؛ إيمانا بالله وإيمانا بالرسول عليه الصلاة والسلام وتصديقا بالمنهج، فلكل عمل عبادي وثوابي، ولكل ذنب عقابه ؛ لأن الحق سبحانه مطلق العدالة والرحمة، ولا يمكن أن يضع كل الشرور في ميزان الإنسان. فمن كان عنده خصلة من خير فسوف يأخذ جائزتها وثوابها، ومن كان عنده خصلة من شر فسوف ينال عقابها.
وقوله الحق هنا وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ، هذا القول الكريم هو حيثية للحكم بعدم قبول نفقاتهم، وفي هذا تحديد لعموم الفسق وهو الكفر، لا في خصوص الفسق، وحدد الحق ثلاثة أشياء منعت التقبل منهم : الكفر بالله ورسوله وهو كفر القمة، ثم قيامهم إلى الصلاة وهم كسالى، ثم الإنفاق بكراهية.
ونفعهم المنع على أنه رد الفعل إلى ما ينقص العمل أو ينافيه ؛ كأنه يريد إنسان القيام فتقعده، أي أنك رددت إرادة القيام إلى القعود، وهو ما ينافيه، أو أن يحاول إنسان ضرب آخر فتمنع يده، فتكون بذلك قد منعت غيره من أن يعتدي عليه. إذن فالمنع مرة يأتي للفاعل ومرة للمفعول. فأنت حين تمنع زيدا من الضرب تكون قد منعت الفاعل، وحين تمنع عنه الضرب تكون قد كون قد منعت المفعول، وكل فلسفة الحياة قائمة على المنع، الذي يوجزه الفعل ورد الفعل، تجد ذلك في الإنسان وفي الزمان والمكان.
وإذا بحثت هذه المسألة في الإنسان تجد أن حياته تقوم على التنفس والطعام والشراب، والتنفس هو الأمر الذي لا يصبر الإنسان على التوقف عنه، فإن لم تأخذ الشهيق انتهت حياتك، وإن كتمت الزفير انتهت حياتك. وإذا منعت الهواء من الدخول إلى الرئتين يموت الإنسان، وإذا منعت خروج الهواء من الرئتين يموت الإنسان أيضا.
وحركة العالم كله مبنية على الفعل وما يناقضه. فإذا حاول إنسان أن يضرب شخصا آخر وأمسكت يده، وقلت له : سيأتي أبناؤه أو إخوته أو عائلته ويضربونك، حينئذ يمتنع عن الفعل خوفا من رد الفعل. والعالم كله لا يمكن أن يعيش في سلام إلا إذا كان هناك خوف من رد الفعل١ ؛ القوي يواجه قويا، والكل خائف من رد فعل اعتدائه على الآخر. ولكن إذا واجه قوى ضعيفا، تجد القوى يفتك بالضعف.
وهكذا العالم كله، فالكون إما ساكن وإما متحرك. وتجد الكون المتحرك فيه قوى متوازية تعيش في سلام خوفا من رد الفعل. وكذلك تجد العالم الساكن ؛ فالعمارة الشاهقة تستمد ثباتها وسكونها من أن الهواء لا يأتي من وجهة واحدة، ولكن من جهات متعددة تجعل الضغط متوازنا على كل أجناب العمارة. ولكن لو فرغت الهواء من ناحية وجعلته يهب من ناحية أخرى لتحطمت العمارة، تماما كما تفرغ الهواء من إناء مغلق فيتحطم.
وقول الحق سبحانه وتعالى :
إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله لا يعني أن ألسنتهم لم تنطق بالشهادة، لا، فقد شهد المنافقون قولا، ولكن هناك فرق بين قولة اللسان وتصديق الجنان ؛ فالإيمان محله القلب، والمنافقون جمعوا بين اللسان، يشهد وقلب ينكر، فأعطاهم الر سول حق شهادة اللسان، فلم يتعرض لهم ولم يأسرهم ولم يقتلهم، وأعطاهم نفس الحقوق المادية المساوية لحقوق المؤمنين، كل ذلك احتراما لكلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " التي نطقوا بها ؛ ولأن باطنهم قبيح، فالحق سبحانه يجازيهم بمثل ما في باطنهم، فلا يأخذن ثوابا على ما يفعلون ظاهرا وينكرونه باطنا. وهكذا كان التعامل معهم منطقيا ومناسبا. فما داموا قد أعطوا ظاهرا، فقد أعطاهم الله حقوقا ظاهرة ؛ ولأنهم لم يعطوا باطنا طيبا، فلم يعطهم الله غيبا من ثوابه وغيبا من جنته وعاقبهم بناره.
ونأتي إلى السبب الثاني في قوله تعالى : ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى الكسل : هو التراخي في أداء المهمة. إذن فهم يصلون رياء، فإن كانوا مع المؤمنين ونودي للصلاة قاموا متثاقلين. وإن كانوا حيث لا يراهم المؤمنون فهم لا يؤدون الصلاة. إذن فسلوكهم مليء بالازدواج والتناقض.
والسبب الثالث : ولا ينفقون إلا وهم كارهون والنفقة هي بذل ما عندك من فضل ما أعطاه الله لك ؛ سواء أكان ذلك مالا أو عملا أو جاها أم قوة، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع ؛ لأن كل مجتمع به أعراض كثيرة، تجد القوي والضعيف، والغني والفقير، والعالم والجاهل، الصحيح والمريض. ولو أن كل إنسان تحرك في حياته على قدر حاجته فقط لهلك الضعفاء والمرضى والعاجزون والفقراء. ولكن لابد أن يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته، ولا بد أن يأخذ من ناتج عمله على قدر حاجته ومن يعول، فأنت تأخذ حاجتك من ثمرة طاقتك، ثم تفيء على غيرك بفضل الله عليك، خصوصا على هؤلاء الذين لا يقدرون على الحركة في الحياة، فالصحيح يعطي المريض من قوته ما يعينه على الحياة. والغنى يعطي الفقير من ماله من يعينه على الحياة. والقادر على الحياة يعطي من لا يقدر عليها، وهذا هو المجتمع المتكافل.
ومثل هذا السلوك هو لصالح الجميع ؛ لأن الغني اليوم قد يكون فقيرا غدا، والقوي اليوم قد يكون ضعيفا غدا، فلو أحس الإنسان بأنه يعيش في مجتمع متكافل فهو لن يخشى الأحداث والأغيار. وهذا هو التأمين الصحيح للقادر والغني ويشعر فيه كل إنسان بالتضامن والتكافل، فلا ينشغل الفقير خوفا من الأحداث المتغيرة، وإن مات فلن يجوع عياله، وإن افتقر الغني فسوف يجد المساندة، وإن مرض الصحيح فسوف يجد العلاج.
إذن : فالنفقة أمر ضروري لسلامة المجتمع، ونجد أن السوق توصف بأنها نافقة، وهي يتم فيها بيع كل السلع وشراؤها. فمن أراد أن يبيع باع، ومن أراد أن يشتري اشترى، إذن فالحركة فيها متكافئة. وأنت حين تذهب إلى السوق لتبيع أو تشتري، فإما أن تأخذ مالا نقديا مقابل ما بعت، وإما أن تدفع مالا ثمنا لما اشتريت. وقديما كان الإنسان يبادل السلعة بسلعة أخرى. وبعد اختراع النقود أصبح الإنسان يشتري السلع بثمن، وما ينفق ماله ويقدمه عند الله، فالحق سبحانه يأتي له بكل خير. وقد أراد الحق سبحانه للمنافقين العذاب الباطني في الدنيا، والعذاب الواقع أمام الكل في الآخرة، وبين لهم أن إنفاقهم طوعا أو كرها لن يأتي لهم بالخير.
ولكن من نظر إلى المنافقين قد يجد أنهم يستمتعون بالمال والولد. ولا يلتفت الإنسان الناظر إليهم إلى أن المال والولد هما أدوات عذابه. وقد يقول إنسان : إن الله قد قال :
المال والبنون زينة الحياة الدنيا... ( ٤٦ ) ( الكهف ).
ونقول لمن يقول ذلك : أكمل الآية :
والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ( ٤٦ ) ( الكهف )
والحق سبحانه وتعالى يقول : إنما أموالكم وأولادكم فتنة... ( ١٥ ) ( التغابن ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي