ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ

الدين، وقوله خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أي خلطتم كالذي خلطوا، وهو مستعار من الخوض في المائعات، ولا يستعمل إلا في الباطل، لأن التصرف في الحقائق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض، ومنه قول النبي ﷺ «رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة»، ثم قال تعالى: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فيحتمل أن يراد ب أُولئِكَ القوم الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى وأنتم أيضا كذلك يعتريكم بإعراضكم عن الحق، ويحتمل أن يريد ب أُولئِكَ المنافقين المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكون الخطاب لمحمد ﷺ وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول، و «حبط العمل» وما جرى مجراه يحبط حبطا إذا بطل بعد التعب فيه، وحبط البطن حبطا بفتح الباء وهو داء في البطن، ومنه قول النبي ﷺ «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم»، وقوله فِي الدُّنْيا معناه إذا كان في المنافقين ما يصيبهم في الدنيا من المقت من المؤمنين وفساد أعمالهم عليهم وفي الآخرة بأن لا تنفع ولا يقع عليها جزاء، ويقوي أن الإشارة ب أُولئِكَ إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة أَلَمْ يَأْتِهِمْ فتأمله.
قوله عز وجل:
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
يقول عز وجل لنبيه ﷺ ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله بتكذيب رسله فأهلكها، وَعادٍ وَثَمُودَ قبيلتان، وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ نمرود وأصحابه وتباع دولته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قوم شعيب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ أهل القرى الأربعة، وقيل السبعة الذين بعث إليهم لوط صلى الله عليه وسلم، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ المنصرفات والمنقلبات أفكت فانتفكت لأنها جعل أعاليها أسفلها، وقد جاءت في القرآن مفردة تدل على الجمع، ومن هذه اللفظة قول عمران بن حطان: [البسيط]

بمنطق مستبين غير ملتبس به اللسان وإني غير مؤتفك
أي غير منقلب منصرف مضطرب ومنه يقال للريح مؤتفكة لتصرفها، ومنه أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: ٧٥، التوبة: ٣٠، العنكبوت: ٦١، الزخرف: ٨٧، المنافقون: ٤] والإفك صرف القول من

صفحة رقم 57

الحق إلى الكذب، والضمير في قوله أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ عائد على هذه الأمم المذكورة، وقيل على الْمُؤْتَفِكاتِ خاصة، وجعل لهم رسلا وإنما كان نبيهم واحدا لأنه كان يرسل إلى كل قرية رسولا داعيا، فهم رسل رسول الله ذكره الطبري، والتأويل الأول في عود الضمير على جميع الأمم أبين، وقوله بِالْبَيِّناتِ يريد بالمعجزات وهي بينة في أنفسها بالإضافة إلى الحق لا بالإضافة إلى المكذبين بها، ولما فرغ من ذكر المنافقين بالأشياء التي ينبغي أن تصرف عن النفاق وتنهى عنه عقب ذلك بذكر المؤمنين بالأشياء التي ترغب في الإيمان وتنشط إليه تلطفا منه تعالى بعباده لا رب غيره، وذكرت هنا «الولاية» إذ لا ولاية بين المنافقين لا شفاعة لهم ولا يدعو بعضهم لبعض وكان المراد هنا الولاية في الله خاصة، وقوله بِالْمَعْرُوفِ يريد بعبادة الله وتوحيده وكل ما اتبع ذلك، وقوله عَنِ الْمُنْكَرِ يريد عن عبادة الأوثان وكل ما اتبع ذلك، وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء من الشرك إلى الإسلام وكل ما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين، وقال ابن عباس في قوله وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ هي الصلوات الخمس.
قال القاضي أبو محمد: وبحسب هذا تكون الزَّكاةَ المفروضة، والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، وقوله وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ جامع للمندوبات، والسين في قوله سَيَرْحَمُهُمُ مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز، وقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الآية، وعد في هذه الآية صريحة في الخير، وقوله مِنْ تَحْتِهَا إما من تحت أشجارها وإما من تحت علياتها وإما من تحتها بالإضافة إلى مبدأ كما تقول في دارين متجاورتين متساويتي المكان هذه تحت هذه، وذكر الطبري في قوله وَمَساكِنَ طَيِّبَةً عن الحسن أنه قال سألت عنها عمران بن الحصين وأبا هريرة فقالا على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله ﷺ فقال: قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ أو يقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز، وأما قوله فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ فمعناه في جنات إقامة وثبوت يقال عدن الشيء في المكان إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء، ومنه قول الأعشى:

وإن يستضيفوا إلى حلمه يضافوا إلى راجح قد عدن
هذا الكلام اللغوي، وقال كعب الأحبار جَنَّاتِ عَدْنٍ هي بالفارسية جنات الكروم والأعناب.
قال القاضي أبو محمد: وأظن هذا وهما اختلط بالفردوس، وقال الضحاك جَنَّاتِ عَدْنٍ هي مدينة الجنة وعظمها فيها الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس حولهم بعد، والجنات حولها، وقال ابن مسعود: «عدن» هي بطنان الجنة وسرتها، وقال عطاء: «عدن» نهر في الجنة جناته على حافته، وقال الحسن: «عدن» قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل ومد بها صوته.
قال القاضي أبو محمد: والآية تأبى هذا التخصيص إذ قد وعد الله بها جمع المؤمنين، وأما قوله وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ فروي فيه أن الله عز وجل يقول لعباده إذا استقروا في الجنة هل رضيتم؟ فيقولون

صفحة رقم 58

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية