وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بأهلها (١) فصار أعلاها أسفلها و (المؤتفكات) معطوفة على (مدين) يعني: وأصحاب المؤتفكات.
ويقال: أفكه فائتفك أي: قلبه فانقلب (٢).
وقوله تعالى: أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، قال عطاء عن ابن عباس: (لوط وحده) (٣) فعلى هذا قال المفسرون: (كان لوط قد بعث في كل قرية رسولاً يدعوهم إلى الله) (٤)، ويجوز أن يكون هذا من الجمع الذي أريد به الواحد كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن في عصره سواه رسول، وقال آخرون: (الكناية في الرسل تعود إلى جميع الأمم المذكورة) (٥).
وقوله تعالى: فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، قال ابن عباس: (يريد ليهلكهم حتى يبعث إليهم نبيا ينذرهم) (٦) وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [قال أبو إسحاق: (أعلم الله -عز وجل- أن تعذيبهم كان باستحقاقهم وأن ذلك عدل منه) (٧)] (٨).
٧١ - قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، قال ابن
(٢) انظر: "لسان العرب" (أفك) ١/ ٩٧.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ذكر هذا التوجيه ابن جرير ١٠/ ١٧٨، والقرطبي ٨/ ٢٠٢، وأبو حيان في "البحر المحيط" ٥/ ٧٠.
(٥) انظر: "تفسير ابن جرير" ١٠/ ١٧٨، وابن الجوزي ٣/ ٤٦٨، وهود بن محكم ٢/ ١٥٠، واستظهر هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" ٥/ ٤٥٨.
(٦) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٦٨، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٠٩.
(٧) "معاني والقرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٤٦١.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
عباس: (يريد في الرحمة والمحبة) (١).
قال أبو علي: (المعنى فيه أن بعضهم يوالي بعضًا ولا يبرأ بعضهم من بعض كما يبرؤون ممن خالفهم وشاقهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون، ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة، ألا ترى أن العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه، فمن ثم كانت (٢) خلاف الولاية) (٣).
وقوله تعالى: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، قال ابن عباس: (بأنه لا إله إلا الله) (٤) وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يريد: عن الشرك بالله) (٤)، قال أبو العالية: (كل ما ذكر الله في كتابه من الأمر بالمعروف فهو الدعاء إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان) (٥). وقال بعض أهل المعاني: [ذكر الله المنافقين] (٦)، فقال: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وذكر المؤمنين فقال: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وذلك أن المعنى في المنافقين: أن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، ولا يكون بينهم موالاة؛ لأن قلوبهم تكون مختلفة، ولا تكون كقلوب المؤمنين في التواد والتعاطف) (٧).
(٢) في (ح): (كأنه)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٢/ ٢٣٣.
(٤) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ١٩٨.
(٥) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ١٧٩، والثعلبى ٦/ ١٢٦، والفيروزأبادي ص ١٩٨.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٧) ذكر هذا القول بنحوه القرطبي في "تفسيره" ٨/ ٢٠٣، وبمعناه ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٣/ ٥٨، ولم ينساه لأحد.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي