ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

وَمِنْهُمْ أي: من المنافقين الذين عرض الله صوراً كثيرة لهم في هذه السورة الكريمة، فقال: وَمِنْهُمْ، و وَمِنْهُمْ و وَمِنْهُمْ، واختلفت روايات المفسرين والرواة في مدلول قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله. فقال بعضهم: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال آخرون: إنه مُعتِّب بن قشير، وقال رأى ثالث: إنه الجد بن قيس، وقال قائل رابع: إنه حاطب بن أبي بلتعة. كل هذه خلافات تحتملها الآية الكريمة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال:
وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين ولم يقل الحق: «فلما آتيناه من فضلنا بخل به» بحيث ينطبق على حالة واحدة، ولكن الحق تبارك وتعالى جاء بها بصيغة الجمع فقال سبحانه: فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ... [التوبة: ٧٦]

صفحة رقم 5346

إّن: فهناك جمع. والروايات كلها يمكن أن تكون صحيحة في أن الآية الكريمة نزلت في أفراد متعددين، وسبحانه يقول: وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله فكيف يكون للمنافقين عهد مع الله؟ نقول: لقد عُومل هؤلاء المنافقون بظواهر ألسنتهم، فهم قد أعلنوا إٍسلامهم، وكان الواحد منهم يقول: أعاهد الله على كذا وكذا؛ تماماً كما يأتي الواحد منهم للصلاة ويحرص بعضهم على التواجد في الصف الأول للمصلين، فهل منعه النفاق من الصلاة ظاهراً؟ لم يمنعه أحد، كذلك عندما يعاهد الله فهو يعاهده بظاهر لسانه.
وقصة الآية: أن رجلاً فقيراً من الأنصار ذهب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: إني فقير مملق - أي شديد الفقر - فادع لي الله يا رسول الله أن يوسع عليّ دنياي. وبفطنة النبوة قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إن قليلاً تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاوده وقال: ادع الله لي أن يوسّع عليّ. فدعا له فوسّع الله عليه.
ولسائل أن يسأل: كيف يستجيب الرسول ويدعو لمنافق؟ وإذا كان الرسول قد دعا ترضية له وتأليفاً لقلبه؛ فكيف يجيب الله رسوله في طلب منافق منه؟
ونقول: ربما كان ذلك؛ لأن المنافق أراد أن يجرب: أرسول الله رسول حق، بحيث إن دعا الله أجيب؟
فلما دعا رسول الله؛ أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُعلم هذا المنافق أنه: نعم هو رسول الله؛ وإن دعا لأي أحد يُجِبْه الله، فتكون هذه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فلما دعا رسول الله لثعلبة، أو للجد بن قيس، أو لحاطب بن أبي بلتعة؛ استجاب الله لدعاء رسوله؛ وأعطى مَنْ سأل الدعاء مالاً وفيراً، وقالوا: ولقد تكاثر مال ثعلبة، وكانت ثروته من الأغنام قد تناسلت

صفحة رقم 5347

حتى ضاقت بها شعَاب المدينة؛ فهرب بها إلى شعاب الجبال، وإلى الصحراء الواسعة، فامتلأت، فشغلته أمواله أول ما شغلته عن صلاة الجماعة، وأصبح لا يذهب للصلاة إلا في يوم الجمعة؛ فلما كثرت كثرة فاحشة؛ شغلته أيضاً عن صلاة الجمعة.
وفي ذلك دليل صدق لتنبؤ رسول الله له. إذن: فكل الأمر إنما جاء تأييداً لمنطق الرسول معهم؛ حتى يُسفِّههم في أنهم نافقوا في الإسلام.
وبعد ذلك سأل عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقالوا: إنه في الشعاب شغله ماله. فقال: يا ويح ثعلبة. وأرسل إليه عامل الصدقة؛ لأن ثعلبة قد عاهد الله وقال: لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ فذهب عامل الصدقة إليه، فلما قال له: هات ما كتب الله عليك من الصدقة من مالك. قال: أهي أخت الجزية؟ وذكَّره عامل الصدقة: أنت الذي عاهدت، ومن ضمن عهدك أنك إن أوتيت تصدقت وكنت من الصالحين، فما لك لا توفي بالعهد. ورد ثعلبة على عامل الصدقة: اذهب حتى أرى رأيي.
إذن: هو قد عاهد الله، ودعا رسول الله، واستجاب الله له، وكثرت أمواله، وبعد ذلك صدَّقَ الله نبيه في قوله: «قليل تؤدي شكره، خير من

صفحة رقم 5348

كثير لا تطيقه»، فلما عاد عامل الصدقة إلى رسول الله بردِّ ثعلبة. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ويح ثعلبة. فلما علم ثعلبة أن قرآناً قد نزل فيه، انزعج انزعاجاً شديداً، وأسرع إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وعرض عليه الزكاة. فلم يقبلها رسول الله منه، فأخذ يتردد عليه للقبول، فلم يقبلها رسول الله منه. لقد أراد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك أن يثبت أن الله وفقراء الله في غنى عن مالك يا ثعلبة.
فلما انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى جاء ثعلبة بالصدقات المؤخرة عليه كلها إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: ما كان لرسول الله أن يمتنع عنها ثم يأخذها أبو بكر.
لما توفي أبو بكر جاء إلى عمر، فقال عمر مقالة أبي بكر. وجاء لعثمان، إلا أنه قبل أن يصل إليه كان قد هلك في عهد عثمان.
لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ، وكلمة لَئِنْ قَسَم، والقَسَم هو صورة العهد، فكأنه قال: أقسم بالله إن أتاني الله مالاً لأفعلنَّ كذا. وقد فهمنا أنها قَسَم من وجود اللام في جواب القَسَم لَنَصَّدَّقَنَّ و «الصدقة» هي الصدقة الواجبة أي الزكاة، و لَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين أي: نزيد في التطوعات، والمروءة، والأريحية، وكل ما يدل على الصلاح.
ويقول الحق بعد ذلك: فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ...

صفحة رقم 5349

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية