ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

٧٥ - قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ الآية، المعاهدة: معاقدة بعزيمة تتحقق بذكر الله، نحو: علي عهد (١) الله لأفعلن كذا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: (أتى ثعلبة بن حاطب (٢) مجلسًا من الأنصار

(١) في (ح): (عبد)، وهو خطأ جلي.
(٢) هو: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن عوف بن عمرو بن عوف الأوسي الأنصاري صحابي جليل شهد بدرًا وأحدًا، واختلف في وفاته فقيل: إنه قتل يوم أحد، وقيل: يوم خيبر، وقيل: مات بعد ذلك، وهو بريء من هذه القصة المفتراة، وللعلماء في تبرئته منها طريقتان:
الأولى: بيان زيف هذه القصة، وهذا دليل على براءة هذا الصحابي البدري منها، وسيأتي بيان ذلك.
الثانية: أن صاحب هذه القصة رجل آخر غير البدري موافق له في الاسم، وهذا رأي الحافظ ابن حجر حيث ذكر في "الإصابة" ١/ ١٩٨ رجلين بهذا الاسم، أحدهما البدري، والآخر صحاب القصة وهو ممن شارك في بناء مسجد الضرار، ثم قال: (وفي كون صاحب القصة إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري قبله نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي: (إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضًا أن ابن مردويه روى في "تفسيره" من طريق عطية عن ابن عباس في الآية المذكورة، قال: وذلك أن رجلاً يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ الآية، فذكر القصة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدري اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية"، وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقًا في قلبه، وينزل فيه ما نزل؟ فالظاهر أنه غيره).
ومحاولة الحافظ ابن حجر إثبات شخصية تلصق بها القصة إنما هو لتبرئة البدري، وهو بريء منها دون هذه المحاولة التي لم تستند إلى برهان علمي لما يأتي:
١ - أن الحافظ ابن حجر قال في الكلام السابق: (إن صح الخبر وما أظنه يصح)، وجزم بعدم صحته في "تخريج أحاديث الكشاف" فقال: (هذا إسناد ضعيف جداً) اهـ. والخبر الضعيف جدًا لا يثبت شيئاً. =

صفحة رقم 558

فأشهدهم وقال: (لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله، فلم يف بما قال) (١).

= ٢ - أن حديث ابن عباس الذي ذكره باطل كما سيأتي، فكيف يؤكد المغايرة بين الشخصين.
٣ - أن ابن الكلبي -وهو هشام بن محمد المؤرخ النسابة- متروك. انظر: "المغني في الضعفاء" ٢/ ٧١١ بل متهم بالوضع والاختلاق، كما في كتاب "التنبيه على حدوث التصحيف" ص ١١٨، ١١٩ فخبر مثله لا يؤكد شيئًا ولا يقويه.
وبهذا يتأكد أنه لا يوجد إلا شخص واحد بهذا الاسم، وقد جزم بذلك الإمام الذهبي فلم يذكر في كتابه "تجريد أسماء الصحابة" ١/ ٦٦ سوى البدري، ونسبة القصة إليه محض اختلاق كما سيأتي بيان ذلك.
(١) الأثر عن ابن عباس رواه ابن جرير في "تفسيره" ١٠/ ١٨٩، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٤٧، بسند مسلسل بالضعفاء وبعضهم أشد ضعفًا من بعض، ومنهم:
أ- الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ضعيف، وقال ابن حبان: يروي أشياء لا يتابع عليها.. لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث.
انظر: "تاريخ بغداد" ٨/ ٢٩، وضعفاء العقيلي ١/ ٢٥٠، و"المجروحين" لابن حبان ١/ ٢٤٦، و"الكامل" ٣/ ٢٣٧ (٤٩٢)، و"طبقات ابن سعد" ٧/ ٣٣١، و"لسان الميزان" ٢/ ٢٧٨.
ب- الحسن بن عطية بن سعد العوفي، قال ابن حبان في كتاب "المجروحين" ١/ ٢٣٤: (منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من أبيه أو منهما معًا؟ لأن أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره، ووجب تركه).
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" ٢/ ٣٠١: (ليس بذاك).
وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص ١٦٢ (١٢٥٦): (ضعيف).
جـ- عطية بن سعد العوفي قال ابن حبان في كتاب "المجروحين" ٢/ ١٧٦: (لا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب) اهـ. =

صفحة رقم 559

وقال أبو أمامة الباهلي: (عاود ثعلبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرارًا كل ذلك يقول: ادع الله أن يرزقني مالاً ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" حتى قال: والذي بعثك بالحق نبيًا (١) لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم ارزق ثعلبة مالًا" فاتخذ غنمًا وكثر ماله حتى اشتغل به عن الصلاة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخرج عن المدينة، ومنع الزكاة، وبلغ من أمره ما قص الله في كتابه) (٢).

= ومن عجائبه أنه كنى الكلبي المتهم بالكذب أبا سعيد، ثم حدث عنه بهذه الكنية فيتوهم من يسمعه أنه يحدث عن أبي سعيد الخدري، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ٣/ ١١٤، ثم ذكر من ضعفه ومنهم علي بن المديني وأحمد وأبو داود والساجي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن عدي، وشذ ابن سعد فقال: (ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به). وبهذا يتبين أن خبر ابن عباس هذا ضعيف جدًّا.
وأما أثر سعيد بن جبير فقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٦/ ١٣٠ ب بغير سند، إذ أن الثعلبي ذكر أسانيده في المقدمة ولم يذكر سنده إلى سعيد بن جبير.
وأما أثر قتادة فقد رواه ابن جرير ١٠/ ١٩٠ بلفظ: (ذكر لنا أن رجلاً من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار فقال: لئن آتاه الله مالاً ليؤدين إلى كل ذي حق حقه، فأتاه الله مالاً فصنع فيه ما تسمعون). وفي هذا الأثر مجهول، إذ لم يسم قتادة من حدثه به، ثم إنه ليس في هذا الأثر ذكر لثعلبة ولا لغيره.
(١) ساقط من (ى).
(٢) هذا بعض أثر طويل رواه ابن جرير في "تفسيره" ١٠/ ١٨٩، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٢٨٩، والطبراني في "المعجم الكبير" ٨/ ٢٦٠ رقم (٧٨٧٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٤٧ - ١٨٤٩، وغيرهم كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤٦٧ وفي سنده عدة رجال مجروحين منهم:
أ- معان بن رفاعة السلامي الدمشقي، وثقه أحمد وعلي بن المديني ودحيم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن معين: ضعيف، وقال الجوزجاني: ليس بحجة، وقال ابن حبان: منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام =

صفحة رقم 560

........................

= مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب في رواياته ما ينكره القلب استحق ترك الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. ولخص الحافظ ابن حجر حاله فقال في "التقريب": (لين الحديث، كثير الإرسال). انظر ترجمته في: "الضعفاء" للعقيلي ٤/ ٢٥٦، و"الكامل" ٨/ ١٨٠٨، و"الميزان" ٥/ ٢٥٩ (٨٦١٩)، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١٠٤.
ب- علي بن يزيد الألهاني الشامي، قال البخاري: (منكر الحديث) وقال النسائي: (متروك) وكذلك قال الأزدي والدارقطني والبرقي، وقال الحاكم أبو أحمد: (ذاهب الحديث) وقال الساجي: (اتفق أهل العلم على ضعفه). وقال ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم) اهـ. وعلق الحافظ ابن حجر على هذا القول بقوله: (وليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد).
انظر: "التاريخ الكبير" ٢/ ٣/ ٣٠١، و"الكامل" ٦/ ١٣٣٨، و"المجروحين" ٢/ ١١٠، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ١٩٩، ٣٣٤.
جـ- القاسم بن عبد الرحمن الشامي أبو عبد الرحمن الدمشقي، كان عابدًا متقشفًا وثقه البخاري وابن معين والترمذي وغيرهم، وقال الإمام أحمد: (منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم)، وقال ابن حبان: (يروي عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشاء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها).
انظر: "الضعفاء" للعقيلي ٣/ ٤٧٦، و"المجروحين" ٢/ ٢١١، و"تهذيب التهذيب" ٨/ ٢٨٠.
وبهذا يتين تهافت هذا الخبر، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ١٠٨ (فيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك).
وقال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشافي" ص ٧٧: (رواه الطبراني والبيهقي في "الدلائل" و"الشعب" وابن أبي حاتم، والطبري وابن مردويه كلهم من طريق علي ابن يزيد الألهانى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف جداً). =

صفحة رقم 561

وقوله تعالى: لَنَصَّدَّقَنَّ، قال الزجاج: (الأصل: لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها) (١).
قال الليث: (المتصدق: المعطي والمتصدق: السائل) (٢)، وأنكر ذلك (٣) أهل اللغة، ولم يجيزوا أن يقال للسائل: متصدق، قال ذلك الفراء (٤) والأصمعي (٥) وغيرهما، فالمتصدق المعطي، قال الله تعالى: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف: ٨٨].
وقوله تعالى: وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ أي لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم، والنفقة في الخير، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد الحج) (٦)، لأن ثعلبة كان مسكينًا فعاهد الله لئن وسع الله عليه (٧) ليصدقن وليحجن.

= وقال القرطبي في "تفسيره" ٨/ ٢١٠: (ثعلبة بدري أنصاري، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان.. فما روي عنه غير صحيح).
وقال العلامة محمود شاكر في تعليقه على "تفسير ابن جرير" ١٤/ ٣٧٣: (ضعيف كل الضعف، وليس له شاهد من غيره، وفي بعض رواته ضعف شديد).
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٦٢.
(٢) "تهذيب اللغة" (صدق) ٢/ ١٩٩١ وقد وهم الأزهري في فهم عبارة كتاب "العين"، إذ نص العبارة فيه: والمتصدق: المعطى للصدقة، وأصدق: أخذ الصدقات من الغنم، قال الأعشى:
ودَّ المصَدّق من بني عمرو أن القبائل كلها غنم
كتاب "العين" (صدق) ٥/ ٥٧. فهو يريد بالمصدق العامل على الصدقات وليس السائل بدلالة استشهاده ببيت الشعر، ثم هو لم يقل المتصدق، كما قال الأزهري.
(٣) ساقط من (ى).
(٤) "تهذيب اللغة" (صدق) ٢/ ١٩٩١.
(٥) المصدر السابق، نفس الموضوع.
(٦) ذكره الزمخشري في "الكشاف" ٢/ ٢٠٣.
(٧) في (ي): (علينا).

صفحة رقم 562

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية