ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

فأعقَبهم أي : فأردفهم نفاقاً في قلوبهم ؛ عقوبة على العصيان بما هو أشد منه، أو فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً متمكناً في قلوبهم وسوء اعتقاد. قال البيضاوي : ويجوز أن يكون الضمير للبخل، والمعنى : فأورثهم البخلُ نفاقاً متمكناً في قلوبهم إلى يوم يَلْقونه ، أي : يلقون الله بالموت، والمراد : يلقون جزاءه أو عقابه. وذلك بما أخَلَفوا اللَّه ما وعدوه أي : بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح، وبما كانوا يكذبُون أي : وبكونهم كاذبين فيه ؛ فإن خلف الوعد متضمن للكذب، مستقبح من الوجهين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في الحِكَم العطائية :" من تمام النعمة عليك : أن يرزقك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك ". وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" خير الرِّزقِ ما يَكفي، وخَيرُ الذِّكرِ الخَفيُّ " ١.
وقال صلى الله عليه وسلم :" ما طَلَعت شمسٌ إلا وَبِجَنْبيها ملكان يُناديَان، يُسمعان الخَلائِقَ : أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربَّكم، ما قَلَّ وكَفى خَيرٌ مما كَثرَ وألهى " ٢. وقال بعض العارفين : كل من لا يعرف قدر ما زوي عنه في الدنيا، ابتلي بأحد وجهين : إما بحرص مع فقر يتقطع به حسرات، أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لَيْسَ الغِنى بكَثرةِ العَرَض، إنما الغِنى غِنى النَّفس ". وغنى النفس عن الدنيا : شرف الأولياء المختارين، وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين. ولقد صدق قول الشاعر :

غِنَى النَّفسِ ما يُغنِيكَ عنْ سَد خُلَّةٍ فإن زِدتَ شَيئاً عَادَ ذَلك الغِنى فَقْرا
وقد قيل : من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه. وقالت الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد : يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، فيظل حيراناً والِهاً، فإن كان له عند الله تعالى نصيب، عاتبه وحياً في سره، فقال : عبدي ؛ أردتُ أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وأجعلك دليلاً لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني ؛ فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، عبدي ؛ ارجع إلى ما كنت عليه، أرجعْ بك إلى ما كنت تعرفه. هـ. وقد تقدمت الحكاية. وفي بعض الكتب : إن أهون ما أصنع بالعالِمِ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي. هـ.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير