فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ( ١ ) بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ ( ٢ ) وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ( ٨١ ) فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ( ٨٢ ) فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ( ٣ ) ( ٨٣ ) وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ( ٨٤ ) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( ٨٥ ) ( ٨١ -٨٥ ).
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت :
( ١ ) إشارة تنديدية إلى ما كان من فرح المتخلفين عن غزوة تبوك واغتباطهم بسبب نجاحهم في الاعتذار والتخلف كراهة منهم للجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. وما كان من تثبيطهم غيرهم عنها بحجة شدة الحر.
( ٢ ) وردا عليهم مع الإنذار والإغلاظ. فعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يهتف جوابا على هذا بأن نار جهنم التي استحقوها بسبب مواقفهم أشد حرا لو علموا، وأنهم إذا فرحوا وضحكوا الآن فليس إلا لوقت قصير يعقبه البكاء الكثير والندم الشديد على ما اقترفوا. وعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ما أعاده الله إلى المدينة سالما واستأذنه المتخلفون ليخرجوا في غزوة أخرى أن يرفض السماح لهم، وأن يعلنهم أنهم لن يكون لهم ذلك ولن يقاتلوا معه عدوا ؛ لأنهم رضوا بالقعود أول مرة وابتهجوا فليبقوا حيث هم مع الخالفين بعيدين عن المكرمات. ثم عليه أن لا يصلي على أحد يموت بعد الآن منهم قط. ولا يقف على قبره داعيا له. فقد كفروا بالله ورسوله وماتوا على كفرهم وفسقهم فلم يبق محل للأمل فيهم والإشفاق عليهم والاستغفار والدعاء لهم. وعليه أن لا يغتر ويعجب بما لهم من مال وولد مهما كثر وأن لا يظن أنها نعمة من الله رآهم جديرين بها، وإنما هي ابتلاء واختبار. وستكون سببا لعذابهم في الدنيا وخروجهم منها كافرين نتيجة لما هم عليه من خبث نية وسوء طوية ومنكر أفعال ومواقف.
تعليق على الآية :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ.........
والآيات الثلاث التي بعدها
وما فيها من دلالات وتلقينات وتمحيص، وما روي من روايات
عن صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كبير المنافقين ابن أبي بن سلول
روى الطبري أن رجلا من بني سلمة قال : لا تنفروا في الحر حينما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حر شديد إلى تبوك فأنزل الله : قل نار جهنم أشد حرا . والرواية لم ترو في كتب حديث معتبرة. والجملة من آية والآية جزء من آيات تامة الانسجام، وفيها إشارة صريحة إلى أنها نزلت في غزوة تبوك. فالذي يستقيم مع هذا أن يكون في الجملة رد على قول المنافق أو المنافقين الذين قالوا ذلك القول في سياق الحملة عليهم لتخلفهم.
ولقد روى الطبري أيضا أن ابن أبي بن سلول أرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مريض ليأتيه فنهاه عمر، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاه، فلما دخل عليه قال له : أهلكك حب اليهود فقال : يا نبي الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني ولكن لتستغفر لي، وسأله قميصه أن يكفن به فأعطاه إياه فكفن به حين مات ونفث في جلده وولاه في قبره. وفي رواية أخرى يرويها الطبري أن عبد الله بن أبي سلول وهو مؤمن مخلص هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما مات أبوه أن يعطيه قميصه ليكفنه به وأن يصلي عليه. وروى الشيخان والترمذي حديثا عن ابن عمر أوردناه في سياق تفسير الآيات السابقة فيه توافق مع ما ورد في هذه الروايات. وقد جاء فيه أن الآية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا............. نزلت في هذه المناسبة.
ونحن في حيرة من هذه الروايات وبخاصة من هذا الحديث. فالآيات جملة منسجمة وفي إحداها كما قلنا آنفا صراحة بأنها نزلت أثناء غزوة تبوك. والآية التي يروي الحديث نزولها في مناسبة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عبد الله بن أبي جزء من السياق والكلام. وتتبعه تتمة للكلام وتتمة للسياق. ويلحظ أن الحديث والرواية يذكران أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : كيف تصلي عليه وقد نهاك ربك ؟ في حين أن الحديث يذكر أن الله أنزل الآية بعد صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه. ويلحظ كذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر : إنما خيرني الله أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم وسأزيده على السبعين. والفرق ظاهر بين الاستغفار والصلاة على كل حال مهما كان معنى الصلاة هو الاستغفار. وهذا فضلا عما نبهنا عليه قبل من بعد احتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فهم النهي عن الاستغفار على هذا الوجه الذي جاء في الحديث وأن يكون قد استغفر له أو لغيره بعد نزول الآيات.
والحديث يذكر أن الآية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا............. نزلت بعد أن صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ابن أبي بن سلول. وروايات الحديث المعتبرة تذكر أن هذا كان حيا حينما توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك، وأنه ضرب معسكره إلى جانب معسكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تخلص واعتذر عن السفر على ما شرحناه قبل في سياق موجز قصة غزوة تبوك ( ١ )١. وهذا يعني إذا صح الحديث أنه مات بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الغزوة. والآية جزء منسجم كل الانسجام كما هو واضح من آيات نزلت أثناء هذه الغزوة. ومن الصعب التوفيق بين كل هذا وبين الروايات المتناقضة معه وبخاصة بينه وبين الحديث الذي يرويه الشيخان والترمذي. ونميل إلى القول : إن في الحديث والروايات شيئا من الالتباس والتداخل، وأن كل ما يمكن أن يكون هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاب التماس عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول المؤمن المخلص فأعطاه قميصه ليكفن به أباه الذي مات بعد العودة من تبوك تطييبا له على إخلاصه وتألفا للمترددين من قومه دون أن يكون ذلك مناسبة لنزول الآية. وفي الحديث أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : كيف تصلي عليه وقد نهاك ربك. وهذا يعني إذا صح أن عمر استند إلى الآية التي نزلت أثناء الغزوة في حق جميع المنافقين. ولقد ذكر الطبرسي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على ابن أبي بن سلول، ولكنه لم يسند قوله إلى سند معين. ولقد روى الطبري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه فقال : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره. وهذه الرواية تؤيد رواية الطبرسي من جهة وتنطوي على تصحيح لما التبس من رواية نزول الآية في هذه المناسبة ؛ حيث تفيد إذا صحت أن جبريل إنما ذكر بالآية تذكيرا. ونحن نميل إلى ترجيح رواية عدم الصلاة ؛ لأنها المعقولة أكثر بعد أن نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة عن أي منافق في آية سابقة النزول بأسلوب حاسم. والله تعالى أعلم.
ولقد روى المفسرون فيما رووا خبر إسلام ألف من قوم ابن أبي بن سلول نتيجة لما كان من تصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكريم إزاءه. وروح آيات عديدة من هذه السورة تلهم بقوة كما نبهنا عليه في مناسبتها أن المنافقين قبل غزوة تبوك قد تضاءلوا عددا وشأنا. وهذا ينقض الرواية كما هو المتبادر، فألف رجل في المدينة رقم عظيم. ولا يعقل أن يكون صحيحا. والروايات التي ذكرت المعسكر الذي ضربه المنافقون وتظاهروا به أنهم خارجون إلى الغزوة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن فيه إلا نحو ثمانين شخصا.....................
ويلحظ أن الآية ( ٨٥ ) جاءت تكرارا للآية ( ٥٥ ) من هذه السورة بفرق يسير. وقد يلمح في هذا التكرار أن كثرة الأموال والأولاد التي كانت للمنافقين كانت تشغل حيزا يسيرا في أذهان المؤمنين فاقتضت حكمة التنزيل تكرار بث القوة والعلو والتهوين في نفوسهم وتوكيد المدى الذي في الآية وأمثالها على ما شرحناه في سياق الآية ( ٥٥ ).
وتعبير : فإن رجعك الله يدل بصراحة كما قلنا : إن هذه الآيات والسلسلة التي قبلها قد نزلت أثناء سفرة تبوك مستهدفة التنديد والتقريع بالمعتذرين والمتخلفين المنافقين وفضح أخلاقهم والتذكير بمواقفهم على سبيل التوكيد والتدعيم من جهة وتثبيت المؤمنين المخلصين الذين اشتركوا في الغزوة من جهة أخرى. وتعبير : لا تنفروا في الحر يؤيد ما روي من أن هذه الغزوة كانت في موسم الصيف. وفي تعبير : ولا تقم على قبره صورة لما كان يجري من تشييع الجنائز والدعاء على قبور الأموات بعد مواراتهم والجلوس عندها لتأنيسهم. والمتبادر أن هذا مما كان قبل الإسلام عند العرب أيضا.
والآيات قوية التلقين كسابقاتها بالموقف الحاسم الذي يجب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أن يقفوه من المنافقين. بل فيها ما هو أشد مما احتوته الآيات السابقة ؛ حيث توجب اعتبارهم خارج صف المسلمين فلا يدعونهم ليشتركوا معهم في حرب ولا يجوز أن يصلوا على أحد منهم حينما يموت ولا يقوموا على قبره ؛ لأنهم آثروا القعود مع الضعفاء والعجزة والصبيان فيجب أن يبقوا في النطاق الذي وضعوا أنفسهم فيه، ولأن من مات منهم على حالته فقد مات كافرا فاسقا. وهذا من دون ريب متناسب مع موقفهم النفاقي وتخلفهم عن الجهاد بالمال والنفس والتثبيط عنهما مع شدة صلة ذلك بالدعوة الإسلامية ومصلحة المسلمين العامة. وفي كل هذا تلقين جليل مستمر المدى لما يجب أن يكون موقف المخلصين من أمثال هؤلاء وبخاصة حينما يتهربون من التضامن مع الناس وأداء واجباتهم في الأزمات والشدائد معتذرين بالأعذار الكاذبة ومنطلقين بمختلف أساليب المكر والحيل، والبخل والتثبيط والتعطيل والفرح بالعافية مما قد يلم بالناس من محن وبلاء في سبيل الله.
التفسير الحديث
دروزة