وقال الأصمعي: (يقال: خلف فلان عن كل خير، فهو يخلف خلوفًا إذا فسد ولم يفلح (١) فهو خالف وخالفة (٢)) (٣)، فجاء من هذه الأقوال أن الخالف يكون بمعنى المخالف وبمعنى الفاسد، وكلاهما يجوز في الآية، وقول ابن عباس في هذه الآية: مَعَ الْخَالِفِينَ مع الرجال الذين تخلفوا) (٤)، يجوز أن يكون من هذا؛ لأن من تخلف عنك فقد خالفك، وقال جماعة من المفسرين: (يريد مع أهل الفساد) (٥)، وهذا معنى ما ذكرنا من قولهم خلف فلان: إذا فسد، ومثله خلف اللبن وخلف النبيذ.
وهذه الآية دليل على أن من ظهر منه نفاق وتخذيل لا يجوز للإمام أن يستصحبه في الغزو، اقتداءً برسول الله - ﷺ - فيما أمره الله به (٦) من مباعدتهم عن الجماعة التي تصحب في السفر وتنصر على العدو من أهل الطاعة (٧).
٨٤ - وقوله تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، مَات (٨) في موضع جر؛ لأنه صفة للنكرة كأنه قيل: على أحد منهم ميت، و أَبَدًا ظرف لـ تُصَلِّ، كأنه قيل: ولا تصل أبدًا على أحد منهم.
(٢) في "تهذيب اللغة": وهي (خالفة).
(٣) "تهذيب اللغة" (خلف) ١/ ١٠٨٨.
(٤) سبق تخريجه قبل عدة أسطر.
(٥) انظر: "تفسير ابن جرير" ١٠/ ٢٠٤، والثعلبي ٦/ ١٣٥ ب، والرازي ١٦/ ١٥١.
(٦) ساقط من (ح).
(٧) انظر: "المغني" لابن قدامة ١٣/ ١٥، و"حاشية الروض" ٤/ ٢٦٣.
(٨) ساقط من (ح).
قال عامة المفسرين: (لما مرض عبد الله بن أبي أرسل (١) إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي بدنه ويصلي عليه، فلما مات فعل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشهد دفنه، ودلاه في قبره، فما لبث إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآية، ثم كُلم رسول -صلى الله عليه وسلم- فيما فعل بعبد الله بن أبي، فقال: "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه" فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (٢).
قال أبو إسحاق: ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- إنما أجاز الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام فأعلمه الله عز وجل أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه) (٣)، وقال
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٦٣، و"تفسير ابن جرير" ١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٦، والثعلبي ٦/ ١٣٦ أ، والبغوي ٤/ ٨١، و"الدر المنثور" ٣/ ٤٧٦، وأصل القصة في "صحيح البخاري" (٤٦٧٠)، كتاب: التفسير، باب: قوله اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، و"صحيح مسلم" (٢٤٠٠)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٦٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي