وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين( ٨٦ ) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون( ٨٧ ) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ( ٨٨ ) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم( ٨٩ )
هذا بيان لحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس، الذي هو أقوى آيات الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء.
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء وروي هذا عن ابن عباس وقتادة ومن لا خير فيهم من أهل الفساد، فهو جمع خالفة، وتقدم بيان ما قاله علماء اللغة فيه في تفسير فاقعدوا مع الخالفين من آية ( ٨٣ ).
وطبع على قلوبهم الطبع على القلوب والختم عليها عبارة عن عدم قبولها لشيء جديد من العلم والموعظة غير ما استقر فيها واستحوذ عليها، وصار وصفا ووجدانا لها، وقد بينا الاستعمال اللغوي حقيقته ومجازه للكلمة في تفسير ختم الله على قلوبهم [ البقرة : ٧ ] وفي مواضع أخرى من سورة النساء والأعراف.
فهم لا يفقهون أي فلأجل ذلك هم لا يفهمون ما يخاطبون به فهم تدبر واعتبار فيعملوا به، وقد بينا حقيقة معنى الفقه في مواضع أبسطها تفسير لهم قلوب لا يفقهون بها [ الأعراف : ١٧٩ ] من سورة الأعراف، وفيه تحقيق معنى القلب.
تفسير المنار
رشيد رضا