ﮋﮌﮍﮎﮏ

قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ : هذا هو المقسم عليه، والكبد : المشقة.
قال الزمخشريُّ١ : والكَبدُ : أصله من قولك : كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل : كبته بمعنى أهلكه، وأصله : كبده إذا أصاب كبده.
قال لبيد :[ المنسرح ]

٥٢١١- يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ٢
أي : في شدة الأمر، وصعوبة الخطب ؛ وقال أبو الإصبع :[ البسيط ]
٥٢١٢- لِيَ ابنُ عَمٍّ لو أن النَّاس في كَبدٍ*** لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي٣
قال القرطبيُّ٤ : ومنه تكبَّد اللبن : غلظ واشتد، ومنه الكبدُ ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد ويقال : كابدتُ هذا الأمر قاسيت شدته.

فصل في المراد ب «الإنسان »


الإنسان هنا ابن آدم.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ :«في كبدٍ » أي : في شدة ونصبٍ٥ وعن ابن عباسٍ أيضاً : في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه ونبت أسنانه، وسائر أحواله٦.
وروى عكرمةُ عنه قال : منتصباً في بطن أمه٧، والكبدُ : الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما٨.
وقال يمان : لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
[ وقال ابن كيسان : منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه.
وقال الحسن : كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة ]٩.
قال بعضُ العلماء : أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد : المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.
وقوله تعالى : فِي كَبَدٍ أي : في وسط السماء.
وقال الكلبيُّ : إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له : أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول : من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نزل : أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، يعني : لقوته١٠.
١ الكشاف ٤/٧٥٤..
٢ ينظر ديوان لبيد ص ٥٠، وإعراب القرآن ٣/٧٠٥، ٥/٢٢٩، والطبري ٣/١٢٦ ومجمع البيان ١٠/٧٤٦، والكشاف ٤/٧٠٤، والبحر ٨/٤٦٨، والدر المصون ٦/٥٢٥..
٣ ينظر إعراب القرآن ٥/٢٢٩، والفضليات (٣٢٦)، والبحر ٨/٤٦٨، والدر المصون ٦/٥٢٥..
٤ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/٤٢..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٧) عن ابن عباس والحسن..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٨) والحاكم (٢/٥٢٣) من طريق عطاء عن ابن عباس. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٩٣) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..

٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٩٣) عن ابن عباس وعزاه إلى ابن أبي حاتم. وأخرجه الطبري (١٢/٥٨٨) عن عكرمة..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٨) عن إبراهيم وعكرمة والضحاك ومجاهد..
٩ سقط من: ب..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٤٨٨) عن مقاتل مثله..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية