( ٤ ) كبد : أصل معناها المشقة والشدة. وقد تعددت الأقوال التي أوردها المفسرون في معنى لقد خلقنا الإنسان في كبد منها أنها في صدد بيان طبيعة الإنسان في المشاقة والمكابدة. ومنها أنها في صدد ما في الإنسان من القوى التي تساعده على تحمل المشاق. ومنها أن تكون في صدد وصف ما يظل يتعرض له الإنسان من المحن ويندفع فيه من الكد والجهد في الحياة. ومنها أنها بمعنى انتصاب القامة الذي تميز به الإنسان. ولعل الاحتمال الأول هو الأوجه.
بسم الله الرحمان الرحيم
لا أقسم بهذا البلد١( ١ ) وأنت حل٢ بهذا البلد( ٢ ) ووالد وما ولد٣( ٣ ) لقد خلقنا الإنسان في كبد٤( ٤ ) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد( ٥ ) يقول أهلكت مالا لبداً٥ ( ٦ ) أيحسب أن لم يره أحد( ٧ ) ألم نجعل له عينين( ٨ ) ولسانا وشفتين( ٩ ) وهديناه النجدين٦( ١٠ ) [ ١-١٠ ].
في الآيات توكيد تقريري وتنديدي بأسلوب القسم ؛ لما جبل عليه الإنسان من طبيعة المشاقة والمكابدة، والاعتداد بقوته وماله ظانّاً أنه لا يراه أحد ولا يقدر عليه أحد، في حين أن الله قد جعل له عينين ولسانا وشفتين تشهد عليه ويستطيع بها أن يميز الخير من الشر، وفي حين أن الله بين له معالم طريقي الخير والشر، وأن الأجدر به أن لا يغتر ولا يعتد ولا يشاقق، وأن يختار أفضل الطرق وأقومها.
وقد روى بعض المفسرين : أنها نزلت بمناسبة موقف مكابرة وتبجح وقفه أبو الأسد بن كلدة أحد زعماء مكة وأغنيائها وفاخر فيه بما أنفقه من مال في مناوأة رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وصحة الرواية محتملة، غير أن أسلوب الآيات عام مطلق، ويتبادر أن الموقف المروي كان مناسبة لنزول الآيات متضمنة تنديدا عاما بمثل خلق هذا الزعيم وموقفه، وهذا ما يلحظ في مناسبات كثيرة.
تلقينات آيات سورة البلد الأولى
والآيات في جملتها قد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى سواء في تنديدها بخلق المشاقة والمشاكسة، أم بخلق التباهي بالمال والاعتداد بالنفس بحيث يظن المرء أنه أمنع من أن ينال بسوء وأقوى من أن يقدر عليه أحد، وكذلك في تذكيرها ما في الإنسان من مواهب وقوى أودعها الله فيه من الواجب أن يستعملها في ما هو الأفضل والأقوى والأهدى.
تعليق على عبارة
لقد خلقنا الإنسان في كبد
وقد تفيد آية لقد خلقنا الإنسان في كبد أن الله قد جبل الإنسان على هذا الطبع غير المستحب، ولقد احتوى القرآن آيات عديدة أخرى تضمنت التنديد بالطبائع غير المستحبة في الإنسان بأسلوب قد يفيد أن الله قد خلق الإنسان على هذه الطبائع مثل آيات سورة المعارج هذه : إن الإنسان خلق هلوعا١٩ إذا مسه الشر جزوعا٢٠ وإذا مسه الخير منوعا٢١ وآية سورة الإسراء هذه : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا١١ وآية الكهف هذه : ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا٥٤ وآيات سورة العاديات هذه : إن الإنسان لربه لكنود٦ وإنه على ذلك لشهيد٧ وإنه لحب الخير لشديد٨ وآيات سورة الفجر هذه كلا بل لا تكرمون اليتيم١٧ ولا تحضون على طعام المسكين١٨ وتأكلون التراث أكلا لما١٩ وتحبون المال حبا جما٢٠ ويلحظ أن الآيات جاءت في معرض التنديد والتقريع للناس بسبب هذه الطباع مما يثير تساؤلا عما إذا كان من المعقول أن يندد الله سبحانه بطبائع خلق الإنسان عليها ؟ والمتبادر الذي يلهمه تنديد القرآن بهذه الطبائع ويلهمه سياق الآيات وروحها : أن هذه الآيات صيغ أسلوبية مما اعتاد الناس أن يخاطبوا بعضهم بعضا بها، وأن المقصد الحقيقي منها هو التنديد بما يبدو من كثير من الناس من مثل هذه الأخلاق والطبائع غير المستحبة، وأنه لا ينبغي حملها على محمل قصد بيان أن الله قد خلق الإنسان أو تعمد خلقه على هذه الطبائع التي ندد بها في مختلف المناسبات القرآنية، ولا سيما أن الله سبحانه قد نبه في سياق الآية التي نحن في صددها وفي المناسبات المماثلة أن الله بين للناس طريقي الخير والشر والتقوى والفجور، وأوجد فيهم قابلية بينهما وجعلهم مسؤولين عن اختيارهم وسلوكهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ؛ مما مر منه أمثلة عديدة في المناسبات السابقة.
التفسير الحديث
دروزة