ﯓﯔﯕﯖ

وأمَّا السائِلَ فلا تنهرْ أي : لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل ردّه ردًّا جميلاً، قال إبراهيم بن أدهم : نِعم القوم السُؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي : السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول : أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم :" لا يمنعنّ أحدُكم السائلَ وإن في يديْه قُلْبَين١، من ذهب " ٢ أي : سوارين. وقال أيضاً :" أعط السائل ولو على فرسه " ٣ وقال صلى الله عليه وسلم :" إذا رددت السائل ثلاثاُ فلم يرجع عليك أن تَزْبُرَه " ٤. وقال الحسن : المراد بالسائل هنا : السائل عن العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ألم يجدك يتيماً فرداً من العلائق، مجرداً مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيماً من الهوى، بل بقلبٍ مُفرد، فيه توحيد مجرد. قال القشيري : ويُقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردْتَ بمقامِك، فلم يُشاركك فيه أحد. هـ. ووجدك ضالاًّ قيل : متردداً في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو : وجدك مُتحيراً عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري : ويُقال : ضالاًّ عن محبتي لكن فعرَّفْتُك أني أُحبك، ويقال : جاهلاً شرفَك فعرَّفْتُك قَدْرَكَ. هـ. ووجدك عائلاً فقيراً مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلاّ طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : ١١٤ ]. وفي القوت : إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب، وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. هـ. وكما أنَّ الله تعالى غَنِيّ بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غَنِيّ بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت : وكذلك الأولياء ـ رضي الله عنهم ـ سَرَى فيهم اسمه تعالى " الغَنيِّ " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصّى به الحقٌّ تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يُوصَّى به خلفاؤه من قوله : فأمّا اليتيم فلا تقهر... الخ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.



١ قلبين: القلب، بضم القاف: السوار..
٢ أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال ١٦٢٨٩، والبزار في كشف الأستار حديث ٩٠٢، والهيثمي في مجمع الزوائد ٣/١٠١..
٣ أخرجه بلفظ: "للسائل حق وإن جاء على فرس". أبو داود في الزكاة حديث ١٦٦٥، وأحمد في المسند ١/٢٠١..
٤ أخرجه الطبراني في الأوسط حديث ٤٨٣٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٣/١٩٩، والمتقي الهندي في كنز العمال ١٦٢٥٣، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/٧٤..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير