وحاصله: أن خلق الإنسان من نطفة قذرة وتقويمه بشرًا سويًا، وتحويله من حال إلى حال كمالًا ونقصانًا، أوضح دليل على قدرة الله تعالى على البعث والجزاء؛ فأي شيء يضطرك بعد هذا الدليل القاطع إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيبه أيها الإنسان، والمعنى: على أن الخطاب لمحمد - ﷺ -؛ أي: فمن يكذبك أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل والبراهين على البعث والجزاء؛ أي: فمن ينسبك إلى الكذب بسبب إثباتك الجزاء وإخبارك عن البعث بعد ظهور الأدلة الدالة على كمال القدرة، فإن مَن خلق الإنسان السوي من الماء المهين، وجعل ظاهره وباطنه على أحسن تقويم، ودرجه في مراتب الزيادة إلى أن استكمل واستوى، ثم نكسه إلى أن يبلغ إلى أرذل العمر، لا شك أنه قادر على البعث والجزاء، فكأنه قال: من يقدر على تكذيبك في إثبات الثواب والعقاب بعدما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، فـ ما بمعنى: من، كما في "الجمل"، واختار هذا المعنى الآخر ابن جرير، و الدين (١): الجزاء، ومنه قول الشاعر:
| دِنَّا تَمِيْمًا كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا | دَانَتْ أَوَائِلُهُمْ مِنْ سَالِفِ الزَّمَنِ |
| وَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرُّ | فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ |
| وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَا | نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوْا |
(٢) روح البيان.
لَكَ}، والآية وعيد للمكذبين له - ﷺ -، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله؛ أي: بل هو سبحانه أعدل القاضين وأنفذهم وأصحهم قضاء بين خلقه نافذ الحكم ولا بد، بخلاف قضاء غيره من القضاة.
وأخرج (١) الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعًا: من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) فقرأ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعًا: "إذا قرأت وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)، فقرأت أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)، فقل: بلى".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) قال: سبحانك اللهم فبلى، وظاهر الحديثين وأثر ابن عباس - رضي الله عنهما - يدل على أنه يأتي قارئها بهذه الكلمات، سواء كان في الصلاة من خارجًا عنها، كما عليه الشافعية خلافًا لمن خصه بخارج الصلاة، كالحنفية.
خاتمة: قال في "فتح الرحمن": قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا... الآية، إن فسر (٢) بالرد إلى جهنم، فهو سفل حقيقي، والاستثناء بعده متصل، وعليه فقوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قائم مقام قوله: فلا نردهم أسفل سافلين، من بالرد إلى أسفل العمر، فهو تسفل في الرتب والأوصاف بالنسبة إلى رتب الشباب وأوصافه. والاستثناء بعده منقطع، وعليه فقوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، أي: غير مقطوع بالهرم والضعف.
والمعنى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال شبابهم وقوتهم إذا عجزوا بالهرم عن العمل.. كتب لهم ثواب ما كانوا يعملون إلى وقت موتهم. انتهى.
الإعراب
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦).
(٢) فتح الرحمن.
وَالتِّينِ: الواو: حرف جر وقسم. وَالتِّينِ: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالتين، وجملة القسم مستأنفة. وَالزَّيْتُونِ: معطوف على وَالتِّينِ. وَطُورِ: معطوف على وَالتِّينِ، وهو الجبل، وهو مضاف. سِينِينَ: مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعناه: البقعة المباركة مجرور بالفتحة الظاهرة على النون نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف بعلتين فرعيتين، وهما العلمية والعُجمة؛ لأنه لفظ سرياني عُرِّب، فهو جار مجرى حين في إعرابه بالحركات الظاهرة، ويجوز أن يعرب إعراب جمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء جرًا ونصبًا. وَهَذَا: في محل الجر معطوف على وَالتِّينِ. الْبَلَدِ: بدل من اسم الإشارة. الْأَمِينِ. صفة لـ الْبَلَدِ. لَقَدْ: اللام: موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق. خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. فِي أَحْسَن: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الْإِنْسَانَ. أَحْسَنِ: مضاف. تَقْوِيمٍ: مضاف إليه. و أَحْسَنِ: صفة لموصوف محذوف؛ أي: في تقويم أحسن تقويم، ويجوز أن تكون فِي زائدة؛ أي: قومناه أحسن تقويم اهـ "سمين". ثُمَّ: حرف عطف وترتيب مع تراخ. رَدَدْنَاهُ: فعل وفاعل ومفعول به أول معطوف على خَلَقْنَا. أَسْفَلَ سَافِلِينَ: مفعول ثان لرد؛ لأنه بمعنى: رجع، فينصب مفعولين، نظير قول الشاعر:
| فَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ السُّوْدَ بِيْضًا | وَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ الْبِيْضَ سُوْدَا |
من الإعراب مسوقة لتعليل الاستثناء؛ لأن الفاء بعد الاستثناء المتصل؛ للتعليل غالبًا، ورابطة الخبر بالمبتدأ على أن الاستثناء منقطع لما في الموصول من معنى الشرط الذي هو الإبهام.
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨).
فَمَا الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أسفل سافلين، وأردت بيان ما هو النصيحة لك.. فأقول لك: ما يكذبك؛ أي: ما يحملك على أن تذكب بالبعث والجزاء على أن الخطاب للإنسان. أو إذا عرفت يا محمد ما بينا لك من دلائل قدرتنا على البعث والجزاء، وأوردت أن تطمئن قلبك على ما بينا لك.. فأقول لك على أن الخطاب لمحمد - ﷺ -، ما: اسم استفهام للاستفهام التقريري المضمَّن للإنكار على أن الخطاب للإنسان، أو للاستفهام التعجبي بمعنى: من، على أن الخطاب للرسول - ﷺ - في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا يُكَذِّبُكَ: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ما، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدَّرة مستأنفة. بَعْدُ: في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الضم؛ لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا؛ لحذف المضاف إليه، ونية معناه؛ أي: بعد هذه العبر والعظات، الظرف متعلق بـ يُكَذِّبُكَ. بِالدِّينِ: متعلق بـ يُكَذِّبُكَ أيضًا. أَلَيْسَ: الهمزة: فيه للاستفهام التقريري، ليس: فعل ماض ناقص. اللَّهُ: اسمها. بِأَحْكَمِ: الباء: زائدة في خبر ليس. أحكمِ: خبرها مجرور لفظًا منصوب محلًا. الْحَاكِمِينَ: مضاف إليه مجرور بالياء.
التصريف ومفردات اللغة
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) والتين - بكسر التاء - ثمر شجر ورطبه النضيج، أحمد الفاكهة وأكثرها غذاء، وأقلها نفخًا، جاذب محلل، مفتح سدد الكبد والطحال، مليَّن، والإكثار منه مقمل، وجبل بالشام ومسجد بها، وجبل لغطفان واسم دمشق، والتينة بالكسر الدُّبُرُ، والتينان - بالكسر - جبلان لبني نعامة
والذئب، وتينات فرضة على بحر الشام اهـ من "القاموس".
والزيتون ثمر شجرة مباركة فيه إدام ودهن يؤكل ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة وتربية، ويمكث في الأرض ألوفًا من السنين، كما مر.
وَطُورِ سِينِينَ (٢) والطور: جبل كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام، وهو جبل عظيم فيه عيون وأشجار. إن قلت: كيف ذلك مع قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا المقتضي أنه دك ولم يبق له أثر؛ أجيب: بأنه متسع والذي دك قطعة منه، ومعنى سِينِينَ: المبارك، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، ومعناه: الجبل المبارك؛ لكونه مباركًا مشرفًا بتكليم موسى ربه عليه، وسينين يجوز أن يُعرب بالحركات الثلاث على النون، مع لزومه الياء في أحواله كلها، ويكون ممنوعًا من الصرف للعلمية والعجمة؛ لأنه عَلَم على البقعة، أو الأرض، وأن يعرب كجمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًا.
الْبَلَدِ الْأَمِينِ والبلد والبلدة مكة، شرّفها الله تعالى، وكل قطعة من الأرض معمورًا بالسكنى، والبلد أيضًا: القبر والدار، يجمع على بلاد وبلدان.
الْأَمِينِ؛ أي: الآمن فعيل بمعنى: فاعل، يقال: أَمُن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانة مكة أنها تحفظ من دخلها جاهلية واسلامًا مِن قتلٍ وسبي، كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول بمعنى: المأمون فيه على الحذف والإيصال من أمنه إذا جعله مأمونًا مما يخاف؛ لأنها مأمونة الغوائل والعاهات والحروب.
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ أي: في أعدل قامة وأحسن صورة، يتناول مأكوله بيده، مزينًا بالعلم والفهم والعقل، والتمييز والنطق والأدب، يقال: قام إذا انتصب، وقام الأمر إذا اعتدل، كاستقام، وقوَّمته تقويمًا عدلته، كما في "القاموس"، والتقويم: تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في التأليف والتعديل.
أَسْفَلَ سَافِلِينَ و أَسْفَلَ هنا: اسم تفضيل، يتناول المتعدد المتفاوت، والسافلون هم إما الصغار والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير هو أسفل من هؤلاء؛ لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا؛ لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله وثقله على
أهله وجيرانه، وعلى هذا المعنى، فالاستثناء الآتي منقطع، والمعنى حينئذ، ثم رددناه أسفل سافلين، فزال عقله، وانقطع عمله، فلا يُكتب له حسنة، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه يكتب له بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملونه في حال الشباب والصحة، وإما عصاة المؤمنين، فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، والمعنى: رددناه أسفل ممن سفل خلقًا وتركيبًا حسًا ومعنًى، وهو أهل النار إلا الذين آمنوا الخ، فيكون بمعنى قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ؛ أي: غير مقطوع، بل متصل دائم، مِن مَنَّهُ مَنًّا إذا قطعه قطعًا، أو غير ممنون به عليهم، فإن المنة تكدّر النعمة، مِنْ مَنَّ عليه مِنَّة، والأول هو الظاهر، ولعل المراد من الثاني: تحقيق الأجر وإثباته، وأن المأجور استحق الأجر بعمله إطاعة لربه، وإن كان ذلك الاستحقاق من فضل الله تعالى.
بِالدِّينِ والدين: الجزاء بعد البعث، كما مر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) بإطلاق الحال وإرادة المحل على القول بأنه أراد موضعهما، وهو دمشق وبيت المقدس على ما رجحه ابن جرير.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: الْبَلَدِ الْأَمِينِ من إسناد ما للشيء إلى مكانه؛ لأن الأمن إنما يكون لمن فيه.
ومنها: الطباق بين أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وبين أَسْفَلَ سَافِلِينَ.
ومنها: الاستخدام في قوله: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ حيث ذكر الإنسان أولًا بمعنى وهو الجنس، ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر وهو الإنسان بمعنى بعض أفراده، والاستخدام عند البديعيين: ذكر الشيء بمعنى، وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر، كما هنا.
ومنها: الاستفهام التقريعي أو التعجبي في قوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ وفيه الالتفات أيضًا من الغيبة في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ إلى الخطاب هنا، والنكتة في ذلك الالتفات: تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب، كأنه قيل له: فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ؛ لأنه دخل على النفي، ونفي النفي تقرير.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
مقاصد هذه السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على خمسة مقاصد:
١ - أقسم الله سبحانه وتعالى بأربعة أشياء على مقسم عليه واحد تعظيمًا للمقسم به، وإشعارًا بغرابة المقسم عليه.
٢ - بيان شرف الإنسان بكونه خُلق على أحسن تقويم.
٣ - استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الذين يردون إلى أرذل العمر.
٤ - التقريع والإنكار على المكذبين له - ﷺ - في إخباره عن البعث والجزاء.
٥ - وتطمين قلبه - ﷺ - بكون الله سبحانه أحكم الحاكمين بينه وبينهم (١).
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
سورة العلق
سورة العلق، وتسمى سورة القلم، وسورة اقرأ: مكية بلا خلاف، وهي أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، وأخرج ابن مردويه (١) من طرق عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في "الحلية" عن أبي موسى الأشعري قال: أول سورة أنزلت على محمد - ﷺ -: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١).
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وصححه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن أول ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)، ويدل على أن هذه السورة أول ما نزل الحديث الطويل الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة، وفيه: فجاءه الحق وهو في غار حراء، فقال له: اقرأ الحديث، وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله: مَا لَمْ يَعْلَمْ وفي هذه الأحاديث رد على من قال: أول ما نزل من القرآن: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) كما في حديث جابر المذكور في "صحيح مسلم" وغيره، ويجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن المراد يكون: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) أول ما نزل كونه أول ما نزل بعد فترة الوحي نحو ثلاث سنوات، وآياتها: تسع عشرة آية، وكلماتها (٢): اثنتان وتسعون كلمة، وحروفها: مئتان وثمانون حرفًا.
المناسبة: مناسبتها لما قبلها (٣): أنه سبحانه وتعالى ذكر في سورة التين: خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وذكر في هذه السورة: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)، والمناسبة ظاهرة بين خلقه من علق، وخلقه في أحسن تقويم، ففي البداية من علق، وفي النهاية في أحسن تقويم، ثم أسفل سافلين إلى أنه تعالى ذكر هنا من أحوال
(٢) الخازن.
(٣) المراغي.
الآخرة ما هو كالشرح والبيان لما ذكره في السورة السابقة والقرآن الكريم كله كالحلقة المفرغة في قالب واحد يرتبط أوله بآخره، وآخره بأوله، مع إيماءات وإشارات، لا يعلمها إلا من أطلعه الله سبحانه عليها من ذوي المعارف الصمدانية.
وعبارة "أبي حيان" (١) هنا: هذه السورة صدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبت في "صحيح البخاري" وغيره، وقول جابر: أول ما نزل المدثر، وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أول ما نزل الفاتحة لا يصح، وقال الزمخشري عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت، وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل، ثم سورة القلم. انتهى.
ولما ذكر فيما قبلها خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك.. ذكره هنا منبهًا على شيء من أطوارها، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة.
تسميتها: وسميت سورة العلق وسورة القلم؛ لذكرهما فيها.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - سورة العلق كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩).المناسبة
تقدم لك آنفًا بيان المناسبة بين أول هذه السورة والتي قبلها، وأما قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)... إلى آخر السورة. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (١) في مطلع السورة دلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وعلامات الحكمة البالغة، ودقة صنائعه البديعة، وكان ذلك كله بحيث يبتعد من العاقل أن لا يلتفت إليه.. أتبعه جل شأنه ببيان السبب الحقيقي في طغيان الإنسان وتكبره وتماديه عليه، وهو حبه للدنيا واشتغاله بها، وجعلها أكبر همه، وذلك يعمي قلبه، ويجعله يغفل عن خالقه، وما يجب له في عنقه من إجلال وتعظيم، وقد كان ينبغي أن يكون حين الغنى والميسرة وكثرة الأعوان واتساع الجاه أشد حاجة إلى الله تعالى منه في حال الفقر والمسكنة؛ لأنه في حال فقره، لا يتمنى إلا سلامة نفسه وأعضائه، أما في حال الغنى فيتمنى ذلك ويتمنى سلامة مماليكه وأتباعه وأمواله.
ألا يعلم أنه راجع إلى ربه فمجازيه على ما يعمل، وقد بلغ من حمقه أن يأمر وينهى، وأنه يوجب على غيره طاعته، ثم هو بعد ذلك يعرض عن طاعة ربه.
أما ينبغي له أن يهتدي ويشتغل بأمر نفسه، (فمن كان ذا عقل ورأي وثروة وجاه وأعوان، واختار الهدى، وتخلق بأخلاق المصلحين.. كان ذلك خيرًا له
وأجدى)، وإنا لننكلن به نكالًا شديدًا في العاجلة، ولَنُهِيْتَهُ يوم العرض والحساب، وليدع أمثاله من المغرورين، فإنهم لن يمنعوه، ولن ينصروه، ثم ختم السورة بأمره بالتوفر على عبادة ربه فعلًا وإبلاغًا للناس مبتغيًا بذلك وجه الله سبحانه والقربى.
أسباب النزول
تقدمة تاريخية: جاء في صحيح الأحاديث: أن النبي - ﷺ - "كان يأتي غار حراء - حراء جبل بمكة - يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى فجأه الوحي وهو في الغار إذ جاءه الملك، فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذه ثانيًا، فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذه ثالثة فغطه حتى بلغ منه الجهد، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥).
قال الرواة: فرجع ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فأخبر خديجة الخبر، ثم قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق". الحديث الطويل رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم.
ومن ذلك تعلم (١) أن صدر هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن الكريم، وأول رحمة رحم الله بها عباده، وأول خطاب وجه إلى رسوله - ﷺ -، أما بقية السورة فهو متأخر النزول، نزل بعد شيوع بعثته - ﷺ -، وبعد أن دعا قريشًا إلى الإيمان به وآمن به قوم منهم، وكان جمهرتهم يتحرشون بمن آمن به ويؤذونهم، ويحاولون ردهم عن تصديقه، والإيمان بما جاء به من عند ربه.
قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)... الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) ابن المنذر عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟، فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل لأطأن على رقبته،
(٢) لباب النقول.
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي