جزاؤهم مبتدأ عند ربهم ظرف لجزاءهم جنات عدن أي إقامة خبر لجزائهم تجري من تحتها أي من تحت قصورها وأشجارها الأنهار فاعل يجري على المجاز، والجملة صفة لجنات خالدين فيها في جنات حال منهم في جزاءهم أبدا ظرف لخالدين، قال البيضاوي : فيه مبالغات تقديم المدح وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به، والحكم عليه بأنه من عند ربهم، وجمع جنات وتقيدها إضافة، ووصفها بما يزداد بها نعيما وتأكيد الخلود بالتأبيد رضي الله عنهم هذا نعمة زاد من الجنات وما فيها فضل الله. عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك. فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم يعط أحد من خلقك. فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب أي شيء أفضل من ذلك. فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً " ١ متفق عليه. قلت : لعل المراد من قوله :" ما لم يعط أحد من خلقه " ما لم يعط الملائكة، وإلا فليس غير أهل الجنة إلا أهل النار، ولا يجوز القول بالتفضيل عليهم ورضوا عنه قال البغوي : قيل : الرضا ينقسم قسمين : رضي الله به، ورضي عنه. رضي به رباً ومدبراً، ورضي عنه فيها يقضي ويقدر. وقلت : والرضى عنه على أقسام : قسم منه معناه ترك الاعتراض عليه، والاعتقاد بأن كل ما فعل هو الحسن في نفس الأمر، وإن خفي علينا وجه حسنه، وهذا القسم من الرضا واجب على العباد في كل ما قضي الله عليه من مرغوب ومكروه عنده، غير أنه إن صدر عنه المعصية أو عن غيره لا يرضى عن الكفر والمعصية من حيث صدوره عن العبد وكسبه، فإن صدور الكفر والمعصية عن العبد وكسبه به غير مرضي الله، وإن كان صادراً بإرادة الله وخلقه، ومناط التكليف في وجوب هذا القسم من الرضاء العقل والاستدلال، فإن العاقل إذا لاحظ أن الله تعالى مالك للأشياء كلها، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، والاعتراض إنما يتوجه على من يتصرف في ملك بغير إذنه، ولاحظ أنه تعالى حكيم لا يفعل إلا على ما اقتضاه الحكمة رضي الله به، وإن اختلج شيء في صدره فذلك لأجل نقصان في عقله ودينه وبقية كفر في نفسه الأمارة بالسوء، وإلى هذا القسم من الرضا أشار السري السقطي رضي الله عنه : إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضى عنك ؟ وقسم منه معناه كون مقتضيات الله محبوباً له مرغوباً عنده، وإن كان على خلاف هواه، ومنشأه العشق والمحبة بالله سبحانه، فإن فعل المحبوب ومراده أحب عند المحب من مراد نفسه، ومن ها هنا قال الشاعر :
فإن فرحت بهجري رضيت بالضروري
وقسم منه معناه بلوغ المراد أقصى ما يتمناه ويشتهيه وهو المراد ها هنا، ومن قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى ٥ ٢ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار "، وقد مر في سورة الضحى ذلك المذكور من الجزاء والرضوان لمن خشيَ ربه فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير، والناهي عن كل معصية وشر، وجملة ذلك لمن خشي ربه في مقام التعليل بقوله تعالى : جزاءهم. عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي :" إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، - وفي رواية " أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا " - قال : الله سماني لك ؟ قال : نعم. قال : وقد ذكرت عند رب العالمين ؟ قال : نعم. فذرفت عينه )٣ متفق عليه، قلت : وما ذكر في الحديث من حال أُبي هواية عشاق، والله تعالى أعلم.
٢ سورة الضحى، الآية: ٥..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة البينة (٤٩٦١)، وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه (٧٩٩)..
التفسير المظهري
المظهري