المعنى الجملي : كان اليهود والنصارى من أهل الكتاب في ظلام دامس من الجهل بما يجب الاعتقاد به والسير عليه من شرائع أنبيائهم، إلا من عصم الله، لأن أسلافهم غيروا وبدلوا في شرائعهم، وأدخلوا فيها ما ليس منها، إما لسوء فهمهم لما أنزل على أنبيائهم، وإما لاستحسانهم ضروبا من البدع توهموها مؤيدة للدين، وهي هادمة لأركانه، وإما لإفحام خصومهم، والرغبة في الظفر بهم.
وقد توالت على ذلك الأزمان، وكلما جاء جيل على ما وضعه من قبلهم حتى خفيت معالم الحق، وطمست أنوار اليقين.
وكان إلى جوار هؤلاء عبدة الأوثان من العرب وغيرهم ممن مرنت نفوسهم على عبادتها، والخنوع لها، وأصبح من العسير تحويلهم عنها، زعما منهم أن هذا دين الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وكان الجدل ينشب حينا بين المشركين واليهود، وحينا آخر بين المشركين والنصارى، وكان اليهود يقولون للمشركين : إن الله سيبعث نبيا من العرب من أهل مكة، وينعتونه لهم ويتوعدونهم بأنه متى جاء نصروه، وآزروه، واستنصروا به عليهم حتى يبيدهم.
قد كان هذا وذاك، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم قام المشركون يناوئونه ويرفعون راية العصيان في وجهه، وألّبوا الناس عليه، وآذوا كل من اتبعه وسلك سبيله ممن أنار الله بصائرهم، وشرح صدورهم لمعرفة الحق.
كذلك قلب له اليهود ظهر المجنّ بعد أن كانوا من قبل يستفتحون به، إذا وجدوا نعته عندهم في التوراة، فزعموا أن ما جاء به من الدين ليس بالبدع الجديد، بل هو معروف في كتبهم التي جاءت على لسان أنبيائهم، فلا ينبغي أن يتركوا ما هم عليه من الحق، ليتبعوا رجلا ما جاء بأفضل مما بين أيديهم، بل قد بلغ الأمر بهم أن كانوا عليه مع المشركين الذين كانوا يعاندونهم ويتهددونهم بأنهم سيتبعون هذا النبي وينصرونه.
ففي الرد على مزاعم هؤلاء الكافرين الذين يجحدون واضح الحق، ويغمضون أعينهم عن النظر فيه- نزلت هذه السورة.
شرح المفردات : خشي الله : أي خاف عقابه.
ثم بين ما سيلقون من جزاء عند ربهم فقال :
جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا أي هؤلاء يجازيهم ربهم بجنات يقيمون فيها أبدا، وفيها من اللذائذ ما هو أكمل وأوفر من لذات الدنيا.
وعلينا أن نؤمن بالجنة ولا نبحث عن حقيقتها، ولا أين موضعها، ولا كيف نتمتع فيها، فإن علم ذلك عند ربنا لا يعلمه إلا هو، فهو من علم الغيب الذي استأثر بعلمه.
ثم ذكر أسباب هذا الجزاء فقال :
رضي الله عنهم ورضوا عنه أي إنهم حازوا رضا الله بالتزام حدود شريعته، فحمدوا مغبة أعمالهم، ونالوا ما يرضيهم في دنياهم وآخرتهم.
ذلك لمن خشي ربه أي هذا الجزاء الحسن إنما يكون لمن ملأت قلبه الخشية والخوف من ربه.
وفي ذلك تحذير من خشية غير الله، وتنفير من إشراك غيره به في جميع الأعمال ؛ كما أن فيه ترغيبا في تذكر الله ورهبته لدى كل عمل من أعمال البر حتى يكون العمل له خالصا، إلا أن فيه إيماء إلى أن أداء بعض العبادات كالصلاة والصوم بحركات وسكنات مجردين عن الخشية لا يكفي في نيل ما أعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات من الجزاء ؛ لأن الخشية لم تحل قلوبهم، ولم تهذب نفوسهم.
نسأل الله أن يطهر قلوبنا، وينير بصائرنا، حتى لا نرهب سواه، ولا نخشى إلا إياه، والحمد لله رب العالمين.
تفسير المراغي
المراغي