جنات بساتين.
عدن إقامة.
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ( ٦ ) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية( ٧ ) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ( ٨ ) .
بعد أن بينت الآيات الأولى من هذه السورة الكريمة حقيقة الدين، وفضل المصدقين المهتدين، في مقابل عناد المستكبرين، وجحود الحاسدين النبي الخاتم على ما آتاه رب العالمين من الهدى والنور المبين، جاءت هذه الآيات تنذر الكافرين١ بهوانهم على الملك القوي المتين، وتوعدهم سوء المصير والخلود في العذاب المهين، ثم ختمت السورة المباركة بعلو قدر المؤمنين الصالحين، وأنهم أكرم خلق الله أجمعين، وثوابهم عند مولاهم البر الرحيم ؛ بساتين إقامة يمكثون فيها لا يخرجون ولا يموتون، ينعمون بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولهم فوق النعيم الحسي المادي أنس روحاني، وفضل رباني من الغفور الشكور ... ورضوان من الله أكبر.. ٢ ؛ وفي تقديم مدحهم بخير البرية وذكر الجزاء المؤذن بكون ما منح في مقابلة ما وصفوا به، وبيان كونه من عند الله تعالى، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضميرهم، وجمع الجنات وتقييدها بالإضافة وبما يزيدها نعيما، وتأكيد الخلود بالأجود من الدلالة على غاية حسن حالهم ما لا يخفى... ورضوا عنه وعلل رضاهم بأنهم بلغوا من المطالب قاصيتها ومن المآرب ناصيتها.. ذلك أي ما ذكر من الجزاء والرضوان لمن خشي ربه فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية والفوز بالمراتب العلية، إذ لولاها لم تترك المناهي والمعاصي، ولا استعد ليوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواصي، وفيه إشارة إلى أن مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصلا إلى أقصى المراتب ... ورضوان من الله أكبر... بل الموصل له خشية الله تعالى، و إنما يخشى الله من عباده العلماء.. ٣. واستدل بقوله تعالى : إن الذين آمنوا.. الخ على أن البشر أفضل من الملك٤ لظهور أن المراد بالذين آمنوا : المؤمنون من البشر ؛ وفي الآثار ما يدل على ذلك٥. وأنت تعلم أن هذا ظاهر في أن المراد بالبرية الخليقة مطلقا، ليتم الاستدلال، ثم إنه يحتاج أيضا إلى إدخال الأنبياء عليهم السلام في عموم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لا يراد بهم قوم بخصوصهم ؛ إذ لو لم يدخلوا لزم تفضيل عوام البشر، أي الذين ليسوا بأنبياء منهم على خواص الملائكة عليهم السلام، وذلك مما لم يذهب إليه أحد من أهل السنة، بل هم يكفرون من يقول به٦.. -٧ أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب :" إن الله أمرني أن أقرأ عليك { لم يكن الذين كفروا... ) قال : وسماني لك ! ؟ قال :" نعم "، فبكى ؛ وعلق عليه القرطبي فقال : وفيه من الفقه : قراءة العالم على المتعلم ؛ قال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة،... وفيه فضيلة عظيمة لأبي ؛ إذ أمر الله رسوله أن يقرأ عليه. اهـ.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب