عن سعيد بن جبير، ومقاتل -من طريق إسحاق بن بشر- قالا: إنّ أولَ مَنِ اتَّخذ المنجنيقنمروذ، وذلك أنّ إبليس جاءهم لَمّا لم يستطيعوا أن يَدْنوا مِن النار، قال: أنا أدُلُّكم. فأخذ لهم المنجنيق، وجيء بإبراهيم، فخلعوا ثيابه، وشدُّوا قِماطَه، فوُضِع في المنجنيق، فبَكَتِ السمواتُ والأرضُ والجبالُ والشمسُ والقمرُ والعرشُ والكرسيُّ والسحابُ والريحُ والملائكةُ، كلٌّ يقول: يا ربِّ، إبراهيمُ عبدك بالنار يُحْرَق؛ فأْذَنْ لنا في نُصْرَتِهِ. فقالت النارُ، وبَكَتْ: يا ربِّ، سخرتني لبني آدم، وعبدك يُحْرَقُ بي! فأوحى إليهم: إنّ عبدي إيّاي عَبَدَ، وفي حُبِّي أُوذِي، إن دعاني أجبتُه، وإن استنصركم انصروه. فلمّا رُمِيَ استقبله جبريلُ بين المنجنيق والنار، فقال: السلام عليك، يا إبراهيم، أنا جبريلُ، ألك حاجةٌ؟ فقال: أمّا إليك فلا حاجة، حاجتي إلى الله ربي. فلمّا أن قُذِفَ سبقه إسرافيل؛ فسلَّط النارَ على قماطه، وقال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾. فلو لم يُخْلَط بالسلام [لَكَزَّ] فيها بردًا، ودخل جبريل، وأنبت الله حوله روضةً خضراء، وبسط له بساط مِن دُرِّ الجنة، وأُتِي بقميص مِن حُلَلِ جنَّة عدن، فأُلْبِس، وأُجْرِي عليه الرِّزْقُ غُدْوَةً وعَشاءً، إسرافيل عن يمينه، وجبريل عن يساره، حتى رأى الملِكُ الرؤيا، ورأى الناسُ الرؤيا، فأكثروا القول فيه
قال مقاتل: نَسَجَتِ الشياطينُ لسليمان بساطًا فرسخًا في فرسخ ذهبًا في إبريْسَم، وكان يُوضَع له منبرٌ مِن الذهب في وسط البساط، فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي مِن ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتُظِلُّه الطيرُ بأجنحتها لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساطَ مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الصباح
عن مقاتل، عن محمد بن علي، في قوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾، قال: الكذب، وهو الشِّرْك في التَّلبية، وذلك أن الحُمْس -قريش، وخزاعة، وكنانة، وعامر بن صَعْصَعَة- في الجاهلية كانوا يقولون في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يعنون: الملائكة التي تُعبد، هذا هو قول الزور لقولهم: إلا شريكًا هو لك. وكان أهل اليمن في الجاهلية يقولون في التلبية: نحن عَرايا عك عك، إليك عانيَة، عبادك اليمانيَة، كيما نحج الثانيَة، على القِلاص الناجيَة. وكانت تميم تقول في إحرامها: لبيك ما نهارنا نجرُه، إدلاجه وبرده وحرُّه، لا يتقي شيئًا ولا يضرُّه، حجًّا لرب مستقيم بِرُّه. وكانت ربيعة تقول: لبيك اللهم حجًّا حقًّا، تَعَبُّدًا ورِقًّا، لم نأتك للمَناحَةِ، ولا حُبًّا للرَباحَة. وكانت قيس عيلان تقول: لبيك لولا أنّ بَكرًا دونكا، بنو أغيار وهم يلونكا، ببرك الناس ويفخرونكا، ما زال منا عجيجًا يأتونكا. وكانت جُرْهم تقول في إحرامها: لبيك إن جرهمًا عبادك، والناس طرف وهم تِلادك، وهم لعمري عَمَرُوا بلادك، لا يطاق ربنا بعادك، وهم الأولون على ميعادك، وهم يُعادون كل مَن يعادك، حتى يقيموا الدين في وادك. وكانت قضاعة تقول: لبيك رب الحل والإحرام، ارحم مقام عبد وآم، أتوك يمشون على الأقدام. وكانت أسد وغطفان تقول في إحرامها بشعر اليمن: لبيك، إليك تعدو قلقًا وضِينُها، معترضًا في بطنها جنينها، مخالفًا دين النصارى دينها. وكانت النساء تَطُفْن بالليل عراة، وقال بعضهم: لا بل نهارًا، تأخذ إحداهن حاشية برد تستر به، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أُحِلُّه، كم من لبيب عقله يُضِلُّه، وناظر ينظر فما يَمَلُّه، ضخم من الجثم، عظيم ظلُّه. وكانت تلبية آدم عليه السلام: لبيك الله لبيك، عبد خلقته بيديك، كرمت فأعطيت، قربت فأدنيت، تباركت وتعاليت، أنت رب البيت. فأنزل الله عز وجل: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾
عن مقاتل [بن حيان]: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾، يعني: الشرك بالكلام، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت، فيقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك
عن مقاتل [بن حيان]: ﴿الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ عند ما يُخَوَّفون، ﴿والصابرين على ما أصابهم﴾ مِن البلاء والمصائب، ﴿والمقيمي الصلاة﴾ يعني: إقامتها؛ أداء ما استحفظهم اللهُ فيها