سورة سبأ — الآية ١٦
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق- قال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ كان لهم -يعني: لسبأ- سَدٌّ قد كانوا بنوه بنيانًا أيِّدًا، وهو الذي كان يَرُدّ عنهم السيل إذا جاء؛ أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم أنه إنما يخرِّب سدّهم ذلك فأرة، فلم يتركوا فُرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هِرّة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التفريق؛ أقبلتْ -فيما يذكرون- فأرةٌ حمراءُ إلى هِرّة مِن تلك الهِرر، فساورتها حتى استأخرتْ عنها الهِرّة، فدخلتْ في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت في السد، فحفرت فيه، حتى وهَّنته للسيل وهم لا يدرون، فلمّا جاء السيل وجد عِلَلًا، فدخل فيه حتى قلع السد، وفاض على الأموال، فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذُكِر عن الله -تبارك وتعالى-
قراءة الأثر في موضعه
سورة فاطر — الآية ٢٨
عن وهب بن مُنَبِّه، قال: أقبلتُ مع عكرمة أقودُ ابن عباس بعدما ذهب بصره، حتى دخل المسجد الحرام، فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة، فقال: أمِل بي إلى حلقة المراء. فانطلقنا به حتى أتاهم، فسلَّم عليهم، فأرادوه على الجلوس، فأبى عليهم، وقال: انتسبوا إلَيَّ أعرِفْكم. فانتسبوا إليه، فقال: أما علِمتم أنّ لله عِبادًا أسكتتهم خشيته مِن غير عِيٍّ ولا بُكم، إنهم لَهُمُ الفصحاءُ النطقاء النبلاء العلماء بأيام الله، غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشتْ مِن ذلك عقولهم، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية، فأين أنتم منهم؟! ثم تولّى عنهم، فلم يُر فيها بعد ذلك رجلان
قراءة الأثر في موضعه
سورة فاطر — الآية ٣٤
عن وهب بن مُنبِّه، عن محمد بن علي بن الحسين ابن فاطمة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الجنة شجرةً يُقالُ لها: طُوبى. لو سَخَّر الراكبُ الجوادَ أن يسير في ظِلِّها لسار فيه مائة عام قبل أن يقطعه، وورقُها بُرُودٌ خُضْرٌ، وزهرُها رِياطٌ صُفْرٌ، وأقناؤها سندسٌ وإستبرقٌ، وثمرُها حُللٌ خضرٌ، وصمغُها زنجبيلٌ وعسلٌ، وبطحاؤُها ياقوتٌ أحمرُ وزُمُرّدٌ أخضرُ، وتُرابُها مسكٌ وعنبرٌ وكافورٌ أصفرُ، وحشيشُها زعفرانٌ مونِعٌ والألنجوج، يأْجُجان من غير وقودٍ، ينفجرُ من أصلها أنهارٌ؛ السلسبيل والمعين في الرحيق، وظِلُّها مجلسٌ مِن مجالس أهل الجنة يألفونه، ومتحدَّث يجمعهم، فبينما هم يومًا في ظلّها يتحدّثون إذ جاءتهم ملائكةٌ يقودون نُجُبًا جُبِلت من الياقوت، ثم نفخ فيها الرُّوح، مزمومةً بسلاسل من ذهبٍ، كأنّ وجوهها المصابيح نضارةً، ووبرُها خَزٌّ أحمرُ ومِرْعِزٌّ أبيض مُختلطان، لم ينظر الناظرون إلى مثله حُسنًا وبهاءً، ذُلُلًا مِن غير مهانةٍ، نُجُبًا من غير رياضةٍ، عليها رِحالٌ ألواحُها من الدُّرِّ والياقوت، مُفضَّضة باللؤلؤ والمرجان، فأناخوا إليهم تلك النَّجائب، ثم قالوا لهم: ربُّكم يُقرئكم السلام، ويَسْتزِيركم؛ لِتنظروا إليه وينظر إليكم، وتُحيُّونه ويُحيِّيكم، وتُكلّمونه ويُكلِّمكم، ويَزيدكم من فضله وسعته، إنه ذو رحمة واسعة وفضلٍ عظيمٍ. فيتحوَّل كلّ رجلٍ منهم على راحلته، حتى انطلقوا صفًّا واحدًا معتدلًا، لا يفُوتُ منه شيءٌ شيئًا، ولا تفُوتُ أُذُنُ ناقةٍ أُذُنُ صاحبتها، ولا بَرْكةُ ناقةٍ بَرْكةَ صاحبتها، ولا يمُرُّون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرها، ورجلت لهم عن طريقها؛ كراهية أن ينثَلِم صفُّهم، أو تُفرِّق بين رجلٍ ورفيقه، فلما دفعوا إلى الجبار تعالى سَفَرَ لهم عن وجهه الكريم، وتجلّى لهم في عظمته العظيمُ، يُحيِّيهم بالسلام، فقالوا: ربَّنا، أنت السلام، ومنك السلام، لك حقّ الجلال والإكرام. قال لهم ربُّهم: إنِّي أنا السلام، ومنِّي السلام، ولي حقّ الجلال والإكرام، فمرحبًا بعبادي الذين حَفِظوا وصيَّتي، ورَعَوْا عهدي، وخافوني بالغيب، وكانوا مِنِّي على كلّ حالٍ مشفقين. قالوا: أما وعزَّتك وعظمتك وجلالك وعُلُوِّ مكانك، ما قدرناك حقَّ قدرك، ولا أدَّينا إليك كلَّ حقِّك، فأْذَنْ لنا بالسجود لك. قال لهم ربُّهم: إنِّي قد وضعت عنكم مؤنة العبادة، وأرحت لكم أبدانكم، طالما نصبتم لي الأبدان، وأعنيتم لي الوجوه، فالآن أفضيتم إلى روحي ورحمتي وكرامتي، فسَلُوني ما شئتم، وتمنَّوا عليَّ أمانيكم، فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي وكرامتي، وطَوْلِي وجلالي، وعلوِّ مكاني، وعظمة شأني. فما يزالون في الأمانيِّ والعطايا والمواهب، حتى إنّ المُقَصِّر منهم في أمنيته ليتمنّى مثل جميع الدنيا منذ يوم خلقها الله إلى يوم يُفنيها، قال لهم ربُّهم: لقد قصرتم في أمانيكم، ورضيتم بدون ما يحق لكم، فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم وزدتكم ما قصرت عنه أمانيُّكم، فانظروا إلى مواهب ربِّكم الذي وهب لكم. فإذا بقِبابٍ في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية مِن الدُّرِّ والمرجان، أبوابُها من ذهب، وسُرُرُها من ياقوت، وفرشها مِن سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يفُورُ من أبوابها وأعراصها نورٌ مثلُ شُعاع الشمس، عنده مثلُ الكوكب الدُّريِّ في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى علِّيِّين من الياقوت يزهر نورها، فلولا أنه مسخَّرٌ إذنْ لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأحمر فهو مفروشٌ بالعبقريِّ الأحمر، وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروشٌ بالسُّندس الأخضر، وما كان منها مِن الياقوت الأصفر فهو مفروشٌ بالأُرجوانِ الأصفر، مُبوّبة بالزُّمرُّد الأخضر والذّهب الأحمر والفضّة البيضاء، قواعدها وأركانها مِن الجوهر، وشُرُفُها قِبابٌ من لؤلؤ، وبُرُوجُها غُرَفٌ مِن المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربُّهم قُرّبت لهم براذين مِن ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروحُ، يجنُبُها الولدان المخلّدون، بيد كلّ وليدٍ منهم حَكَمَةُ بِرذَونٍ من تلك البراذينِ، ولجُمُها وأعِنّتها مِن فضةٍ بيضاءَ منظومة بالدُّر والياقوت، سُرُوجُها سررٌ موضونةٌ مفروشةٌ بالسندُس والإستبرقِ، فانطلقت بهم تلك البراذينُ تزفُّ بهم، وتطأ رياض الجنة، فلمّا انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعودًا على منابر من نور، ينتظرونهم ليزُوروهم ويُصافحُوهم ويُهنّئُوهم كرامة ربِّهم، فلما دخلوا قُصُورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم ربُّهم مما سألوا وتمنَّوا، وإذا على باب كلّ قصرٍ من تلك القصور أربعةُ جِنانٍ؛ جنتان ذواتا أفنانٍ، وجنتان مدهامَّتان، وفيهما عينانِ نضّاختان، وفيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجان، وحورٌ مقصوراتٌ في الخيام، فلمّا تبوَّءوا منازلهم واستقرُّوا قرارهم قال لهم ربُّهم: هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًّا؟ قالوا: نعم، وربِّنا. قال: هل رضيتُم ثواب ربّكم؟ قالوا: ربَّنا رضينا، فارض عنا. قال: بِرضايَ عنكم حللتُم داري، ونظرتُم إلى وجهي، وصافحتم ملائكتي، فهنيئا هنيئًا لكم، عطاءً غير مجذوذٍ، ليس فيه تنغيصٌ ولا تَصْرِيدٌ. فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأحلَّنا دار المقامة من فضله، لا يمسُّنا فيها نصبٌ، ولا يمسُّنا فيها لُغوبٌ، إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ»
قراءة الأثر في موضعه
سورة يس — الآية ١٤
عن عبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ كان بمدينة أنطاكية فرعونٌ مِن الفراعنة، يُقال له: أبطيحس بن أبطيحس، يعبدُ الأصنام، صاحبُ شِرْك، فبعث الله المرسلين، وهم ثلاثة: صادق، ومصدوق، وشلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين، فكذّبوهما، ثم عزّز الله بثالث، فلما دعته الرسل، ونادته بأمر الله، وصدعت بالذي أمرت به، وعابت دينه، وما هم عليه؛ قال لهم: ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ولَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ (١٨)﴾
قراءة الأثر في موضعه
سورة يس — الآية ١٤
قال وهب بن مُنَبِّه: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها، فلم يصِلا إلى مَلِكها، وطال مدة مقامهما، فخرج الملِك ذات يوم، فكبَّرا وذكرا الله، فغضب الملك، وأمر بهما، فحُبِسا، وجُلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كُذِّب الرسولان وضُربا بعث عيسى رأسَ الحواريين شمعون الصفا على إثرهما؛ لينصرهما، فدخل شمعون البلد مُتَنَكِّرًا، فجعل يُعاشِر حاشية الملك حتى أنِسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه، فرضي عشرته، وأنِس به، وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك، بلغني أنّك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلَّمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملكُ دعاهما حتى نطَّلع على ما عندهما. فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: مَن أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: اللهُ الذي خلق كل شيء، وليس له شريك. فقال لهما شمعون: فصِفاه، وأَوْجِزا. فقالا: إنّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فقال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه. فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربَّهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين، فوضعاهما في حدقتيه، فصارتا مُقلتين يُبصِر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنتَ سألت إلهك حتى يصنع صنعًا مثل هذا، فيكون لك الشرف ولإلهك. فقال الملك: ليس لي عنك سِرٌّ، إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع. وكان شمعون إذا دخل الملِك على الصنم يدخل بدخوله، ويصلي كثيرًا، ويتضرع، حتى ظنوا أنه على ملتهم. فقال الملِك للرسولين: إن قدر إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ميِّتٍ آمنّا به وبكما. قالا: إلهنا قادِرٌ على كل شيء. فقال الملك: إنّ هاهنا ميتًا مات منذ سبعة أيام، ابنٌ لِدَهقان، وأنا أخَّرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبًا. فجاءوا بالميت، وقد تغيَّر وأَرْوَحَ، فجعلا يدعوان ربَّهما علانيةً، وجعل شمعون يدعو ربَّه سِرًّا، فقام الميت، وقال: إنِّي قد مِتُّ منذ سبعة أيام مشركًا، فأُدخلت في سبعة أودية مِن النار، وأنا أحذِّركم ما أنتم فيه؛ فآمنوا بالله. ثم قال: فُتحتْ لي أبواب السماء، فنظرتُ فرأيتُ شابًّا حَسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومَن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان. وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثَّر في الملك أخبره بالحال، ودعاه، فآمن الملك، وآمن قوم، وكفر آخرون. وقيل: إنّ ابنةً للملك كانت قد تُوفيت ودُفنت. فقال شمعون للملك: اطلب من هذين الرجلين أن يُحْيِيا ابنتك. فطلب منهما الملك ذلك، فقاما وصليا ودعوا وشمعون معهما في السر، فأحيا الله المرأةَ، وانشق القبرُ عنها، فخرجت، وقالت: أسلِموا؛ فإنهما صادقان. قالت: ولا أظنكم تُسلمون. ثم طلبت مِن الرسولين أن يرداها إلى مكانها، فذرّا ترابًا على رأسها، وعادت إلى قبرها كما كانت
قراءة الأثر في موضعه
سورة يس — الآية ٢٠
عن عبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق-: أنّه كان رجلًا مِن أهل أنطاكية، وكان اسمه: حبيبًا، وكان يعمل الجرير، وكان رجلًا سقيمًا، قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيًا، وكان مؤمنًا ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى -فيما يذكرون- فيقسمه نصفين؛ فيطعم نصفًا عياله، ويتصدق بنصف، فلم يهمُّه سقمُه ولا عملُه ولا ضعفه عن عمل ربه، قال: فلما أجمع قومُه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبًا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكِّرهم بالله، ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾
قراءة الأثر في موضعه