عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قصة الإسراء، قال: «... فإذا أنا بأقوامٍ بطونهم أمثال البيوت، كلمّا نهض أحدهم خَرَّ يقول: اللَّهُمَّ، لا تُقِمِ الساعةَ. قال: وهم على سابِلَة آل فرعون. قال: فتجيء السّابِلَة، فتطأهم. قال: فسمعتهم يَضِجُّون إلى الله سبحانه. قلت: يا جبريل، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء مِن أُمَّتِك الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه؛ فنزلت: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء:٨٥]. قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا؛ أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرًا. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر﴾
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: كان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. فكتب النبي ﷺ أول ما كتب: «باسمك اللهم». حتى نزلت: ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود:٤١]؛ فكتب: «بسم الله». ثم نزلت: ﴿ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء:١١٠]؛ فكتب: «بسم الله الرحمن». ثم أنزلت الآية التي في «طس»: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم»
أفاد أثرُ ابنِ عباس التفرقة بين النفس والروح، وقد انتقده ابنُ عطية (٧/٣٩٨) قائلًا: «وكثَّرت فرقة في هذه الآية وهذا المعنى، ففرَّقت بين النَّفْس والروح، وفرَّق قومٌ أيضًا بين نفس التمييز ونفس التَّخَيُّل، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن... فظاهرٌ أن التفصيل والخوض في هذا كله عناء، وإن كان قد تعرَّض للقول في هذا ونحوه الأئمة، ذكر الثعلبي وغيره، عن ابن عباس أنه قال:...» وذكر معنى قول ابن عباس. ثم رجَّح -مستندًا إلى القرآن، والسنة- عدم التفريق بينهما قائلًا: «وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله -تبارك وتعالى- به، وغيَّبَه عن عباده في قوله سبحانه: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، ويكفيك أن في هذه الآية: ﴿يَتَوَفّى الأَنْفُسَ﴾، وفي الحديث الصحيح: أن الله قَبَضَ أرواحنا حين شاء، وردَّها علينا حين شاء. في حديث بلال في الوادي، فقد نطقت الشريعة بقبض الرُّوح والنفس في النوم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]»
ذكر ابنُ جرير (٢٤/١٤٠) قراءة التخفيف والتثقيل في قوله: ﴿سجرت﴾، ثم علّق عليهما قائلًا: «والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب». ورجّح ابنُ عطية (٨/٥٤٦) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قراءة التثقيل بقوله: «وهي مترجحة بكون البحار جمعًا، كما قال: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣]، وكما قال: ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢]، ومثله: ﴿قَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥]، و﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] لأنها جماعة»
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم﴾ الآية، قال: فذُكِر لنا -والله أعلمُ-: أنه أُنزِل في بني إسرائيل: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الإسراء:٣٤]، فكبُرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا شراب ولا غير ذلك، فاشْتَدَّ ذلك عليهم؛ فأنزل الله الرخصةَ، فقال: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبرهم متى يكونُ ذلك؟ فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ وهو المَلَك الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، وجهه وجه آدم عليه السلام، ونصفه من نار، ونصفه من ثلج، فيُسبّح بحمد ربه، ويقول: ربِّ، كما ألَّفتَ بين هذه النار وهذا الثلج؛ تُذيب هذه النار هذا الثلج، ولا يُطفئ هذا الثلج هذه النار، فكذلك ألِّف بين عبادك المؤمنين، فاختصّه الله تعالى مِن بين الخَلْق من عِظَمه. فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا﴾ يعني: هَلّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِمّا سألوا، يعني: في بني إسرائيل، ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نُصَدِّقك حتى تُخرج لنا نهرًا، فقد أعْيَينا مِن مَيْحِ الدِّلاء مِن زمزم ومِن رءوس الجبال، وإن أبيتَ هذا فلْتَكُن لك خاصَّة ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِسَفًا﴾ حين قال: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ:٩] يعني: قِطَعًا، ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا، فننظر إليه، ﴿والمَلائِكَةِ قَبِيلًا أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ يعني: من الذهب ﴿أوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ يعني: أو تضع سُلَّمًا فتصعد إلى السماء، ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]، يقول: ولسنا نُصَدِّقُك حتى تأتي بأربعةِ أمْلاكٍ يشهدون أنّ هذا الكتاب مِن رَبِّ العِزَّة. وهذا قولُ عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فأنزل الله في قوله: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا فننظر إليه: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ إذ قالوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:١٠٨]. وأنزل الله فيها: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] لقوله: ﴿كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾. وأنزل الله: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩]؛ لِأَنِّي إذا أرسلتُ إلى قومِ آيةٍ ثُمَّ كذَّبوا لم أُناظِرْهم بالعذاب، وإن شئتَ -يا محمد- أعطيتُ قومَك ما سألوا، ثم لم أُناظِرهم بالعذاب. قال: «يا ربِّ، لا». رِقَّةً لقومه: ﴿لَعَلَهُم يَتَّقُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ وهو قوله: ﴿إنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود:٣٣]، ﴿فانْتَظِرُواْ﴾ بي الموت، ﴿إنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بكم العذابَ؛ القتل ببَدْر
قال يحيى بن سلّام: ﴿قال إن لبثتم إلا قليلا﴾ إنّ لبثكم في الدنيا في طول ما أنتم لابثون في النار كان قليلًا. وهو كقوله: ﴿وتظنون﴾ أي: في الآخرة ﴿إن لبثتم﴾ في الدنيا ﴿إلا قليلا﴾ [الإسراء:٥٢]. قوله: ﴿لو أنكم كنتم تعلمون﴾ أي: لو كنتم علماء لم تدخلوا النار، والمشركون هم الذين لا يعلمون. كقوله: ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون﴾ [الروم:٥٩]، وأشباه ذلك. وقال في المؤمنين: ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا﴾ [القصص:٨٠]، وأشباه ذلك
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- قال: قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقالت الصابئة: نحن نعبد الملائكة من دون الله. وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر من دون الله. وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان من دون الله. فأوحى اللهُ إلى نبيه ليكذب قولهم: ﴿قل هو الله أحد﴾ إلى آخرها، ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا﴾ [الإسراء:١١١]، وأنزل الله: ﴿إن الذي آمنوا والذين هادوا والصائبين والنصارى والمجوس﴾ الآية