اختُلِف في حُكْم هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها محكمة. والآخر:أنها منسوخة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٦٠-١٦١)، وابنُ عطية (٦‏/‏٣٣٦-٣٣٨)، وابنُ تيمية (٤‏/‏٤٨٧-٤٨٨)، وابنُ القيم (٢‏/‏٢٣٣-٢٣٤) القولَ الأولَ؛ لعدم الدليل على النسخ، وعدم التعارض بين الخبرين. قال ابنُ القيم: «الصواب: القول بأنّ هذه الآية محكمة يعمل بها، لم ينسخها شيء، وهي مشتملة على خبر وتحريم، ولم يأتِ مَن ادَّعى نسخَها بحجَّة ألبتة». وانتَقَدَ القولَ الثانيَ -وهو قول سعيد بن المسيب-، فقال: «هذا أفسد مِن الكل، فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تُناقِض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرَّم نكاح الزانية كما حرَّم نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟!». وبنحوه قال ابنُ تيمية

سورة يوسف — الآية ٨٤

عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق أبي زهير، عن بعض أصحابه-قال: لَمّا احتَبَس يوسف عليه السلام أخاه بسبب السرقة كَتَبَ إليه يعقوبُ عليه السلام: مِن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله إلى يوسف عزيز فرعون، أمّا بعد، فإنّا أهلُ بيت مُوَكَّلٌ بنا البلاء؛ إنّ أبي إبراهيم عليه السلام أُلقِيَ في النار في الله فصبر، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وإن أبي إسحاق عليه السلام قُرِّب للذبح في الله فصبر، ففداه الله بذِبْحٍ عظيم، وإنّ الله كان وهَبَ لي قُرَّة عين فسَلَبَنِيه، فأذهب حزنُه بصري، وأيبس لحمي على عظمي، فلا ليلي ليل، ولا نهاري نهار، والأسير الذي في يديك بما ادُّعي عليه من السَّرَقِ أخوه لأمه، فكنت إذا ذَكَرْتُ أسفي عليه قرَّبته مِنِّي، فسلّى عنِّي بعض ما كنتُ أجِدُ، وقد بلغني أنّك حبستَه بسبب سرقة، فخلِّ سبيلَه، فإنِّي لم ألِد سارقًا، وليس بسارق، والسلام

سورة المائدة — الآية ١٠٦

عن عبد الله بن مسعود -من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط- أنّه سُئل عن هذه الآية: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾. قال: ما مِن الكتاب إلا قد جاء على شيءٍ جاء على إدلالِه غيرَ هذه الآية، ولئن أنا لمَ أُخبرِكم بها لَأنا أجهلُ مِن الذي يَترُكُ الغُسلَ يوم الجمعة، هذا رجلٌ خرَج مسافرًا ومعه مالٌ، فأدرَكَه قَدَرُه، فإن وجَد رجلَين مِن المسلمين دفَع إليهما تَرِكتَه، وأشهَد عليهما عدلَين مِن المسلمين، فإن لم يجد عدلَين مِن المسلمين فرجلَين مِن أهل الكتاب، فإن أدّى فسبيلُ ما أدّى، وإن هو جَحَد استُحلِف بالله الذي لا إله إلا هو دُبُر صلاةٍ: إنّ هذا الذي دُفِع إليَّ، وما غَيَّبتُ منه شيئًا. فإذا حَلَف بَرِئ، فإذا أتى بعدَ ذلك صاحِبا الكتاب فشَهِدا عليه، ثم ادَّعى القومُ عليه مِن تَسميتِهم ما لهم، جُعِلت أيمانُ الوَرَثة مع شهادتِهم، ثم اقتَطَعوا حقَّه، فذلك الذي يقول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾

سورة الأعراف — الآية ١٣٤

عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن أبي المغيرة- قال: وأمر موسى قومه من بني إسرائيل -وذلك بعد ما جاء قومَ فرعون بالآيات الخمسِ: الطوفان، وما ذكر الله في هذه الآية، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل- فقال: لِيذبح كلُّ رجل منكم كبشًا، ثم ليخضب كفَّه في دمه، ثم ليضرب به على بابه. فقالت القبط لبني إسرائيل: لِمَ تعالجون هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إنّ الله يرسل عليكم عذابًا؛ فنسلم، وتهلكون. فقالت القبط: فما يعرفكم الله إلا بهذه العلامات؟ فقالوا: هكذا أمرَنا به نبيُّنا. فأصبحوا وقد طُعِنَ من قوم فرعون سبعون ألفًا ذَرا، فأمسوا وهم لا يتدافنون، فقال فرعون عند ذلك: ﴿ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز﴾ وهو الطاعون ﴿لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾. فدعا ربَّه، فكشفه عنهم، فكان أوفاهم كلهم فرعون، فقال لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيث شئت

سورة سبأ — الآية ١٩

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: يزعمون أنّ عمرو بن عامر -وهو عمُّ القومِ- كان كاهنًا، فرأى في كهانته أنّ قومه سيُمَزَّقون، ويُباعَد بين أسفارهم، فقال لهم: إنِّي قد علمتُ أنكم ستمزَّقون، فمَن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد، وجَمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود -قال: فكانت وادعة بن عمرو-، ومن كان منكم ذا هَمٍّ مُدْنٍ، وأمرٍ ذُعْرٍ، فليلحق بأرض شنٍّ -فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق-، ومَن كان منكم يريد عيْشًا آيِنًا، وحَرَمًا آمنًا، فليلحق بالأرْزين -فكانت خزاعة-، ومن كان يريد الراسيات في الوحْل، المُطعمات في المحْل، فليلحق بيثرب ذات النخل -فكانت الأوس والخزرج، فهما هذان الحيّان من الأنصار-، ومن كان يريد خَمرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلكًا وتأميرًا فليلحق بكوثى وبُصرى. فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق

ذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٤٠٧) أنّ هناك مَن ذهبوا إلى أنّ الكلمة هي اسمٌ سمّاه الله لعيسى، كما سَمّى سائرَ خلقه بما شاء من الأسماء، وأدخل قولَ ابن عباس في هذا القول. وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢‏/‏٢٢١) صنيعَ ابن جرير، فقال: «وقولُ ابن عباس يَحْتَمِل أن يُفَسَّر بما قال قتادة [من أنّ المراد بالكلمة قوله: ﴿كن﴾] وبغير ذلك مما سنذكره الآن، وليس فيه شيءٌ مما ادَّعى الطبريُّ رحمه الله. وقال قومٌ من أهل العلم: سماه الله (كلمة) من حيث كان تقدَّم ذكره في توراة موسى وغيرها مِن كتب الله، وأنّه سيكون، فهذه كلمةٌ سَبَقَتْ فيه من الله، فمعنى الآية: أنتِ -يا مريمُ- مُبَشَّرَة بأنّك المخصوصةُ بولادة الإنسان الذي قد تكلَّم الله بأمره، وأخبر به في ماضي كتبه المنزلة على أنبيائه. و﴿اسْمُهُ﴾ في هذا الموضع معناه: تسميته، وجاء الضمير مُذَكَّرًا من أجل المعنى؛ إذ (الكلمة) عبارة عن ولد»

سورة التوبة — الآية ١٢

قال محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم﴾ إلى قوله: ﴿والله عليم حكيم﴾: إنّ رسول الله ﷺ كان وادَعَ أهل مكة سنة، وهو يومئذ بالحديبية، فحبسوه عن البيت، ثم صالحوه على أنّك ترجع عامَك هذا، ولا تَطَأ بلدَنا، ولا تنحر البُدْن من أرضنا، وأن نُخَلِّيها لك عامًا قابلًا ثلاثة أيام، ولا تأتينا بالسلاح إلا سلاحًا تجعلها في قِراب، وأنّه مَن صَبَأَ مِنّا إليك فهو إلينا رَدٌّ. فصالحهم رسول الله على ذلك، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا، ثم إنّ حلفاء رسول الله من خُزاعة قاتلوا حلفاء بني أُمِيَّة مِن بني كنانة؛ فأَمَدَّتْ بنو أُمَيَّةَ حلفاءَهم بالسلاح والطعام، فركب ثلاثون رجلًا من حُلفاء رسول الله من خُزاعة، فيهم بديل بن ورقاء، فناشدوا رسول الله الحِلْف، فأمر رسول الله ﷺ أن يعين حلفاءه، وأنزل الله على نبيه: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾: لا عهد لهم؛ ﴿لعلهم ينتهون﴾

سورة يوسف — الآية ١٥

قال وهب بن مُنَبِّه: إنّهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام، وجعلوا يحملونه، فلمّا بَرَزُوا إلى البَرِّيَّة ألقوه، وجعلوا يضربونه، فإذا ضربه واحدٌ منهم اسْتَغاثَ بالآخَر فضَرَبَه الآخَر، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح: يا أبتاه، لو تعلمُ ما يَصْنَعُ بابنِك بنو الإماء. فلمّا كادوا أن يقتلوه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثِقًا أن لا تقتلوه؟! فانطلقوا به إلى الجُبِّ لِيطرحوه فيه، وكان ابن اثنتي عشرة سنة -وقيل: ثماني عشرة سنة-، فجاؤُوا به إلى بئرٍ على غير الطريق، واسِعَةَ الأسفل، ضَيِّقَةَ الرأسِ، فجعلوا يدلونه في البئر فيَتَعَلَّق بشَفِير البئر، فرَبَطوا يديه، ونزعوا قميصَه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا عَلَيَّ القميصَ أتَوارى به في الجُبِّ. فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والكواكبَ تُوارِيك. قال: إنِّي لم أر شيئًا. فألقَوْه فيها. وقيل: جعلوه في دَلْوٍ، وأرسلوه فيها، حتى إذا بلغ نصفَها ألقوه؛ إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماءٌ، فسَقَط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها، فقام عليها

سورة الحج — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾ يخوفهم، يقول: اخشوا ربكم؛ ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ نزلت هاتان الآيتان ليلًا، والناس يسيرون في غزاة بني المصطلق، وهم حيٌّ مِن خزاعة، فقرأها النبي ﷺ تلك الليلة على الناس ثلاث مرات، ثم قال: «هل تدرون أي يوم هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا يوم يقول الله عز وجل لآدم عليه السلام: قُم فابعث بعث النار مِن ذُرِّيتك. فيقول: يا ربِّ، وما بَعْثُ النار. قال: مِن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة». فلمّا سمع القومُ ذلك اشْتَدَّ عليهم وحزنوا، فلمّا أصبحوا أتوا النبي -صلى الله عليه-، فقالوا: وما توبتُنا، وما حيلتنا؟ فقال لهم النبي ﷺ: «أبشِروا، فإن معكم خليقتين لم يكونا في أُمَّة قط إلا كثرتها؛ يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، ما أنتم في الناس إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض، أو كالرَّقم في ذراع الدابة، أو كالشامة في سنام البعير، فأبشروا، وقارِبوا، وسدِّدوا، واعملوا. ثم قال: أيسَرُكم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟». قالوا: مِن أين لنا ذلك، يا رسول الله؟ قال: «أفَيَسُرُّكم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟». قالوا: مِن أين لنا ذلك، يا رسول الله؟ قال: «أيَسُرُّكم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟». قالوا: مِن أين لنا ذلك يا رسول الله؟ قال: «فإنكم أكثر أهل الجنة، أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي من ذلك ثمانون صفًّا، وسائر أهل الجنة أربعون صفًّا، ومع هؤلاء أيضًا سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، مع كل رجل سبعون ألفًا». فقالوا: مَن هم، يا رسول الله؟ قال: «هم الذين لا يَرْقُون، ولا يَسْتَرْقُون، ولا يَكْتَوُون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم. قال: «فإنك منهم». فقام رجل آخر من رهط ابن مسعود من هذيل، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «سبقك بها عكاشة». ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة﴾، يقول: تدع البنين لشدة الفزع من الساعة، وذلك قبل النفخة الأولى

سورة الأعراف — الآية ١٣٣

عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بكر-: أنّ موسى لَمّا عالج فرعون بالآيات الأربع: العصا، واليد، ونقص من الثمرات، والسنين، قال: يا ربِّ، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض، وعتا في الأرض، وبغى عَلَيَّ، وعلا عليك، وعادَّني بقومه؛ ربِّ، خُذْ عبدك بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، وتجعلها لقومي عِظَةً، ولمن بعدي آيةً في الأمم الباقية. فبعث الله عليهم الطوفان -وهو الماء- وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوتُ القِبْطِ ماءً، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من حبس منهم غرق، ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل قطرةٌ، فجَعَلَتِ القِبْطُ تُنادي: موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخَذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يوم السبت، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر، فدعا موسى ربَّه، فرفع عنهم الماء، فأَعْشَبَتْ بلادُهم من ذلك الماء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم جحدوا، وقالوا: ما كان