جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش عهودهم من بعد ما عاقدوكم، أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم وَطَعَنُوا فِي دينِكُمْ يقول : وقدحوا في دينكم الإسلام، فثلموه وعابوه. فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ يقول : فقاتلوا رؤساء الكفر بالله. إنّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ يقول : إن رؤساء الكفر لا عهد لهم. لَعَلّهُمْ يَنْتَهُونَ لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف بينهم في المعنيين بأئمة الكفر، فقال بعضهم : هم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم. وكان حذيفة يقول : لم يأت أهلها بعد. ذكر من قال هم من سمّيت :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ مَنْ بَعْد عَهْدِهِمْ. . . إلى : لَعَلّهُمْ يَنْتَهُونَ يعني : أهل العهد من المشركين، سماهم أئمة الكفر، وهم كذلك. يقول الله لنبيه : وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم فقاتل أئمة الكفر، لأنهم لا أيمان لهم، لعلهم ينتهون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ مَنْ بَعْد عَهْدِهِمْ. . . إلى : يَنْتَهُونَ، فكان من أئمة الكفر : أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وهم الذين هموا بإخراجه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : أئمة الكفر : أبو سفيان، وأبو جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة.
حدثنا ابن وكيع وابن بشار، قال ابن وكيع : حدثنا غندر، وقال ابن بشار : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ أنّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ قال أبو سفيان منهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ. . . إلى : يَنْتَهُونَ هؤلاء قريش، يقول : إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام وطعنوا فيه، فقاتلوهم.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ يعني : رأس المشركين أهل مكة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهمّوا بإخراج الرسول، وليس والله كما تأوّله أهل الشبهات والبدع والفِرَي على الله وعلى كتابه.
ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ قال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، قال : كنت عند حذيفة، فقرأ هذه الآية : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ فقال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، قال : قرأ حذيفة : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ قال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر : إنّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ لا عهد لهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ قال : عهدهم.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار بن ياسر، في قوله : لا أيمَانَ لَهُمْ قال : لا عهد لهم.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة في قوله : فَقاتِلُوا أئمّةَ الكُفْرِ إنّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ قال : لا عهد لهم.
وأما النكث فإن أصله : النقض، يقال منه : نكث فلان قوي حبله إذا نقضها، والأيمان : جمع اليمين.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : إنّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ فقرأه قرّاء الحجاز والعراق وغيرهم : إنّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ بفتح الألف من «أيمان » بمعنى : لا عهود لهم على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه. وذُكر عن الحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك :«إنّهُمْ لا إيمَانَ لَهُمْ » بكسر الألف، بمعنى : لا إسلام لهم. وقد يتوجه لقراءته كذلك وجه غير هذا، وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك : أنهم لا أمان لهم : أي لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم، كأنه أراد المصدر من قول القائل : آمنته، فأنا أومنه إيمانا.
قال أبو جعفر : والصواب من القراءات في ذلك الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح الألف دون كسرها، لإجماع الحجة من القراء على القراءة به ورفض خلافه، ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله لا عهد لهم. والأيمان التي هي بمعنى العهد، لا تكون إلا بفتح الألف، لأنها جمع «يمين » كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٦٥١٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرَّق بينهما. وقرأ: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه.
١٦٥١٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له.
* * *
وقيل: (فإخوانكم)، فرفع بضمير: "فهم إخوانكم"، إذ كان قد جرى ذكرهم قبل، كما قال: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)، [سورة الأحزاب: ٥]، فهم إخوانكم في الدين. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش، عهودَهم من بعد ما عاقدوكم أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم (٢) = (وطعنوا في دينكم)، يقول: وقدَحوا في دينكم الإسلام،
(٢) انظر تفسير " نكث " فيما سلف ١٣: ٧٣.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلاف بينهم في المعنيِّين بأئمة الكفر.
فقال بعضهم: هم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم. وكان حذيفة يقول: لم يأت أهلها بعدُ.
* ذكر من قال: هم من سمَّيتُ:
١٦٥٢٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)، إلى: (لعلهم ينتهون)، يعني أهل العهد من المشركين، سماهم "أئمة الكفر"، وهم كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم (٥) = (لعلهم ينتهون).
١٦٥٢١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)، إلى: (ينتهون)، فكان من أئمة الكفر: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وهم الذين همُّوا بإخراجه.
١٦٥٢٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر،
(٢) انظر تفسير " الإمام " فيما سلف ٣: ١٨.
(٣) انظر تفسير " اليمين " فيما سلف ٨: ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٨١.
(٤) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف ١٣: ٥٤٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٥) أثبتت ما في المخطوطة، وهو صواب محض، وصححها في المطبوعة هكذا، كما ظن: " فقاتل أئمة الكفر لأنهم لا أيمان له " فزاد وغير! !.
١٦٥٢٣- حدثنا ابن وكيع وابن بشار = قال، ابن وكيع، حدثنا غندر = وقال ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر=، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم)، قال: أبو سفيان منهم.
١٦٥٢٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم)، إلى: (ينتهون)، هؤلاء قريش. يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام، وطعنوا فيه، فقاتلهم. (١)
١٦٥٢٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر)، يعني رؤوسَ المشركين، أهلَ مكة.
١٦٥٢٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر)، أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهمُّوا بإخراج الرسول. وليس والله كما تأوَّله أهل الشبهات والبدع والفِرَى على الله وعلى كتابه. (٢)
* * *
* ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه:
١٦٥٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر)، قال: ما قوتل أهلُ هذه الآية بعدُ. (٣)
(٢) " الفرى " (بكسر ففتح) جمع " فرية "، وهي الكذب. ويعني بذلك الخوارج، فهم يستدلون بهذه الآية على قتال من خالفهم من أهل القبلة، ويستحلون بها دماءهم وأموالهم.
(٣) الأثر: ١٦٥٢٧ - " زيد بن وهب الهمداني الجهني "، تابعي مخضرم، سمع عمر، وعبد الله، وحذيفة، وأبا الدرداء. روى له الجماعة. مضى برقم: ٤٢٢٢.
وهذا الخبر رواه البخاري مطولا (الفتح ٨: ٢٤٣)، بغير هذا اللفظ، من طريق محمد بن المثني، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب قال، كنا عند حذيفة... "
وانظر الآثر التالي، والذي بعده.
١٦٥٢٩- حدثني أبو السائب قال، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب قال: قرأ حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر)، قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. (٢)
١٦٥٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر: (إنهم لا أيمان لهم)، لا عهد لهم. (٣)
١٦٥٣١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (وإن نكثوا أيمانهم)، قال: عهدهم.
١٦٥٣٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم)، عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.
١٦٥٣٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار بن ياسر، في قوله: (لا أيمان لهم)، قال: لا عهد لهم. (٤)
مترجم في الكبير ١ / ٢ / ٣١١، وميزان الاعتدال ١: ٢٠٩، ٢١١، ولسان الميزان ٢: ١٦٧، ١٧٠.
(٢) الأثر: ١٦٥٢٩ - مكرر الأثرين السالفين.
(٣) الأثر: ١٦٥٣٠ - " صلة ابن زفر العبسي " تابعي ثقة. روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٣٢٢، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٤٦.
وانظر رقم: ١٦٥٣٣، مرفوعا إلى عمار بن ياسر. ورقم: ١٦٥٣٤ مرفوعا إلى حذيفة.
(٤) الأثر: ١٦٥٣٣ - مكرر الأثر رقم ١٦٥٣٠، مرفوعا إلى عمار بن ياسر.
و" صلة "، هو " صلة بن زفر العبسي " كما سلف.
* * *
وأما "النكث" فإن أصله النقض، يقال منه: "نكث فلان قُوَى حبله"، إذا نقضها. (٢)
* * *
و"الأيمان": جمع "اليمين". (٣)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إنهم لا أيمان لهم).
فقرأه قرأة الحجاز والعراق وغيرهم: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ)، بفتح الألف من "أيمان" بمعنى: لا عهود لهم، على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه.
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إِيمَانَ لَهُمْ)، بكسر الألف، بمعنى: لا إسلام لهم.
* * *
وقد يتوجَّه لقراءته كذلك وجهٌ غير هذا. وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم = أي: لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم = كأنه أراد المصدر من قول القائل: "آمنته فأنا أومنه إيمانًا". (٤)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح "الألف" دون كسرها، لإجماع الحجة من القرأة على
(٢) انظر تفسير " النكث " فيما سلف ص: ١٥٣، وتعليق: ٢ والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير " اليمين " فيما سلف ص: ١٥٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٥.