قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَو جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ وذلك أنّ كفار قريش كانوا إذا رأوا النبيَّ ﷺ يدخل على يسار أبي فُكَيْهَة اليهودي، وكان أعجميّ اللسان غلام عامر بن الحضرمي القرشي يحدّثه؛ قالوا: ما يعلّمه إلا يسار أبو فُكَيْهَة. فأخذه سيدُه، فضربه، وقال له: إنّك تعلِّم محمدًا ﷺ. فقال يسار: بل هو يعلّمني. فأنزل الله عز وجل: ﴿ولَو جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾
عن ابن مسعود، قال: استَقْبَلني النبيُّ ﷺ، فانطلَقْنا حتى أتينا موضِعًا لا نَدْري ما هو، فوضَع رسولُ الله ﷺ رأسَه في حِجْري، ثم إنّ هَنِينًا أتَوا، عليهم ثيابٌ بِيضٌ طوالٌ وقد أغْفى رسولُ الله ﷺ. فقال عبد الله: فأُرْعِبْتُ منهم. فقالوا: لقد أُعطِيَ هذا العبدُ خيرًا، إنّ عينَه نائمةٌ والقلبُ يقظانُ. ثم قال بعضُهم لبعضٍ: هَلُمَّ، فلْنَضْرِبْ له مثلًا. قال بعضُهم لبعضٍ: اضْرِبوا له ونتَأوَّلُ نحن، أو نضرِبُ نحن وتتأوَّلون أنتم. فقال بعضُهم: مثَلُه كمثَلِ سَيِّدٍ اتَّخَذ مَأدُبةً، ثم ابْتَنى بُنْيانًا حَصينًا، ثم أرْسَل إلى الناس، فمَن لم يأتِ طعامَه عذَّبه عذابًا شديدًا. قال الآخرون: أمّا السيِّدُ فهو ربُّ العالمين، وأما البُنيانُ فهو الإسلام، والطعام الجنةُ، وهذا الداعِي، فمَن اتَّبعه كان في الجنةِ، ومن لم يتَّبِعْه عُذِّب عذابًا أليمًا. ثم إن رسول الله ﷺ استيقَظ فقال: «ما رأيتَ، يا ابنَ أمِّ عبد؟». فقلت: رأيتُ كذا وكذا. فقال: «أفَخَفِيَ عَلَيَّ مِمّا قالوا شيءٌ؟!». وقال رسول الله ﷺ: «هم نَفَرٌ من الملائكة»
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: لَمّا بُعِث رسولُ الله ﷺ وسمع به أهلُ نجران أتاه منهم أربعةُ نفر مِن خيارهم؛ منهم العاقب، والسيد، وماسَرْجِسُ، وماربحرُ، فسألوه ما تقول في عيسى؟ قال: «هو عبد الله، وروحه، وكلمته». قالوا هم: لا، ولكنَّه هو اللهُ، نَزَل مِن مُلكه، فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنسانًا خُلِق مِن غير أب؟ فأنزل الله: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء، والضحاك-: أن ثمانية من أساقِفَة العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ، منهم العاقب والسيد، فأنزل الله: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا﴾ إلى قوله: ﴿ثم نبتهل﴾. يريد: ندعُ الله باللعنة على الكاذب. فقالوا: أخِّرْنا ثلاثة أيام. فذهبوا إلى بني قُرَيْظَة والنَّضِير وبني قَيْنُقاع فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يُصالحوه ولا يُلاعنوه، وهو النبي الذي نجده في التوراة، فصالَحوا النبي ﷺ على ألف حُلَّة في صَفَر، وألف في رَجَب، ودراهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكلمته﴾ يعنى بالكلمة قال: كن. فكان، ﴿ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ يعني: بالروح أنّه كان من غير بشر. نزلت فى نصارى نجران في السيد والعاقب ومن معهما. ثم قال سبحانه: ﴿فآمنوا﴾ يعني: صَدِّقوا ﴿بالله﴾ عز وجل بأنّه واحد لا شريك له، ﴿ورسله﴾ يعني: محمدًا ﷺ بأنّه نبي ورسول، ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ يعني: لا تقولوا: إنّ الله عز وجل ثالث ثلاثة، ﴿انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد﴾
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب، وقد حُصِر رسولُ الله ﷺ شهرًا، فخندق رسول الله ﷺ، وأقبل أبو سفيان بقريش ومَن معه مِن الناس حتى نزلوا بعقوة رسول الله ﷺ، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومَن تبعه حتى نزلوا بعقوة رسول الله ﷺ، وكاتبتِ اليهودُ أبا سفيان فظاهروه، فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذُكر أنهم كانوا كلما بنوا بناءً قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابَّةً قطع الله رباطها، وكلمّا أوقدوا نارًا أطفأها الله، حتى لقد ذُكر لنا أنّ سيد كل حيٍّ يقول: يا بني فلان، هَلُمَّ إلَيَّ. حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاءَ النجاءَ، أُتِيتم! لِما بعث الله عليهم مِن الرعب
عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيِّد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يُلاعِناه، قال: فقال أحدُهما لصاحبه: لا تفعلْ، فواللهِ، لَئِن كان نبيًّا فلاعنّا لا نُفْلِح نحن، ولا عَقِبُنا مِن بعدِنا. قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال «لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين». فاسْتَشْرَف له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قُم، يا أبا عبيدة بن الجراح». فلمّا قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمينُ هذه الأُمَّة»
قال مقاتل بن سليمان: فأتاه الرسولُ في السِّجن، فأخبره بقول النسوة عند الملك، قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم﴾ يقول: هذا لِيَعْلَم سيِّدُه ﴿أني لم أخنه بالغيب﴾ في أهله، ولم أخالفه فيهِنَّ، ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ يعني: لا يُصْلِح عَمَل الزُّناة. يقول: يخذلهم، فلا يعصمهم مِن الزنا. فأتاه الملَك -وهو جبريل- بالبُرْهان الذي رأى، فقال ليوسف: أين ما هممتَ به أوَّلًا حين حللتَ سراويلَك، وجلستَ بين رجليها؟ فلمّا ذكر الملَكُ ذلك قال عند ذلك: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ يعني: قلبي مِن الهَمِّ، لقد هممتُ بها
عن مالك بن أنس -من طريق ابن وهب-: الأمر عندنا: أن ليس على سيِّد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحدٍ مِن الأئمة أكرَه أحدًا على أن يُكاتب عبدَه. وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئِل عن ذلك؛ فقيل له: إن الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾. يتلو هاتين الآيتين: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة:٢]، ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة:١٠]. قال مالك: فإنّما ذلك أمرٌ أذِن اللهُ فيه للناس، وليس بواجب على الناس، ولا يَلْزَمُ أحدًا
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٥٧-٤٥٨) في قوله: ﴿فقتل كيف قدر﴾ احتمالين: الأول: «أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله». ثم وجّه معنى قوله: ﴿ثم نظر﴾ على هذا الاحتمال، فقال: «وعلى التأويل الأول أنّ الدعاء عليه دعاء على مُستقبح فعله يجيء قوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ معنىً معادًا بعينه؛ لأن ﴿فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يقتضيه، لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد رُوي أنّ النبي ﷺ دعا الوليد فقال له: «أنظُرُ وأُفَكِّرُ». فلمّا فَكّر قال ما تقدم». الثاني: «يحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه الأول في مدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه، فيجري هذا مجرى قول النبي ﷺ لأبي جَندل بن سهيل: «ويل أمه، مسْعَر حرب». ومجرى قول عبد الملك بن مروان: قاتل الله كُثَيِّرًا، كأنه رآنا حين قال كذا. وهذا معنًى مشهور في كلام العرب». ثم وجّه معنى قوله: ﴿ثم نظر﴾ على هذا الاحتمال، فقال: «وإذا قلنا إنّ ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ فيما احتج به للقرآن، فرأى ما فيه من علوِّ مرتبة محمد عليه السلام، فـ﴿عَبَسَ﴾ لذلك، ﴿وبَسَرَ﴾ أي: قطب، وقبض ما بين عينيه، واربدَّ وجهه حسدًا له»