أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى الطَّوْلِ في الآية على قولين: أحدهما: أنّ معناه: الفضل، والمال، والسّعة. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، والسدي. والآخر: المراد: أنّ معناه: الهوى. وهذا قول ربيعة، وإبراهيم النخعي، وجابر، وعطاء. ورجَّحَ ابن جرير (٦/٥٩٤-٥٩٥) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثاني مستندًا إلى الإجماع، ودلالة النظير، والعقل، وعَلَّلَ ذلك بـ: «إجماع الجميع على أنّ الله -تبارك وتعالى- لم يُحَرِّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطَّوْل إلى الحُرَّة، فأَحَلَّ ما حَرَّم مِن ذلك عند غلبته المحرم عليه له لقضاء لذة. فإن كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول فمِثلُه في التحريم نكاحُ الإماء لواجد الطَّول: لا يحل له مِن أجل غلبة هوى سره فيها؛ لأنّ ذلك مع وجوده الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه ما حَرَّم عليهم منها في غيرها من الأحوال، ولم يرخص الله -تبارك وتعالى- لعبد في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أنّ رجلًا لو غلبه هوى امرأة حرة أو أمةٍ أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به؛ ما يُوَضِّحُ فسادَ قولِ مَن قال: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطَّول لحرة نكاح الإماء. فتأويلُ الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا: ومَن لم يجد منكم سعةً مِن مال لنكاح الحرائر فلينكح مِمّا ملكت أيمانُكم»
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس عن سالم الأفطس- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ رخَّص فيها قومٌ من المسلمين مِمَّن بمكة من أهل الضرر، حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، فقالوا: قد بيَّن الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، ورخص لأهل الضرر. حتى نزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيرا﴾ قالوا: هذه مُوجِبة. حتى نزلت: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾ فقال ضَمْرَة بن العِيص أحد بني ليث، وكان مصاب البصر: إنِّي لَذو حيلة؛ لي مال فاحملوني. فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدُفِن عند مسجد التنعيم؛ فنزلت فيه هذه الآية: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ الآية
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- قال: أمَر النبيُّ ﷺ المسلمين أن يَجْمَعوا صَدَقاتِهم، وكان لعبد الرحمن بن عوف ثمانيةُ آلافِ دينارٍ، فجاء بأربعةِ آلافِ دينار صدقةً، فقال: هذا مالٌ أُقْرِضُه اللهَ، وقد بَقِيَ مِثْلُه. فقال النَّبِيُّ ﷺ: «بُوركَ لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أمْسَكْتَ». وجاء أبو نَهِيكٍ -رجلٌ مِن الأنصار- بصاع تمرٍ، نَزَع عليه لَيْلَه كُلَّه، فلمّا أصْبَح جاء به إلى النبيِّ ﷺ، فقال رجلٌ من المنافقين: إنّ عبد الرحمن بن عوف لَعَظِيمُ الرِّياء. وقال للآخر: إنّ اللهَ لَغَنِيٌّ عن صاع هذا. فأنزل اللهُ: ﴿الذينَ يلمزونَ المطَّوعينَ من المؤمنينَ في الصدقاتِ﴾ عبد الرحمن بن عَوْفٍ، ﴿والذينَ لا يجدونَ إلا جهدهُم﴾ صاحب الصاعِ
عن مسلم بن صُبَيح، قال: أتيت علقمة [النخعي]، فسألته عن قول الله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾. فقال: وما تصنع بهذا؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية، قال: فأتيت مسروقًا [بن الأجدع]، فسألته، فقال: البحيرة: كانت الناقة إذا ولدت بطنًا خمسًا أو سبعًا شَقُّوا أذنها، وقالوا: هذه بحيرة. قال: ﴿ولا سائبة﴾ قال: كان الرجل يأخذ بعض ماله، فيقول: هذه سائبة. قال: ﴿ولا وصيلة﴾ قال: كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى في بطنٍ قالوا: وصلت أخاها. فلا يأكلونهما. قال: فإذا مات الذكر أكله الذكور دون الإناث. قال: ﴿ولا حام﴾ قال: كان البعير إذا ولد ووَلَد ولَدُه قالوا: قد قضى هذا الذي عليه. فلم ينتفعوا بظهره، قالوا: هذا حامٍ
عن عليِّ بن أبي طالب: أنّ يهوديًّا كان له على رسول الله ﷺ دنانيرُ، فتقاضى النَّبِيَّ ﷺ، فقال له: «ما عندي ما أُعطيك». قال: فإنِّي لا أُفارقُك -يا محمد- حتى تُعطيَني. قال: «إذن أجلِسَ معك». فجلَس معَه، فصلّى النَّبِيُّ ﷺ الظهْرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والغداةَ، وكان أصحابُ النبيِّ ﷺ يَتَهَدَّدون اليهوديَّ ويتوعَّدونه، فقالوا: يا رسول الله، يهوديٌّ يَحْبِسُك! قال: «منَعني ربِّي أن أظلِمَ مُعاهِدًا ولا غيرَه». فلما تَرَجَّلَ النهارُ أسلَم اليهوديُّ، وقال: شَطْرُ مالي في سبيلِ اللهِ، أما -واللهِ- ما فعَلتُ الذي فعَلتُ بك إلّا لأنظُرَ إلى نعتِك في التوراةِ: محمد بن عبد الله، مولدُه بمكةَ، ومُهاجَرُه بطَيبةَ، ومُلْكُه بالشامِ، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ في الأسواقِ، ولا متزيِّنٍ بالفحشاءِ، ولا قوّالٍ للخَنا
عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب أُتِي بفروة كسرى بن هُرْمُز، فوُضِعَتْ بين يديه، وفي القوم سُراقة بن مالك، فأخذ عمر سِوارَيْهِ، فرمى بهما إلى سُراقة، فأخذهما، فجعلهما في يديه، فبلغتا منكبيه، فقال: الحمدُ لله، سِوارا كسرى بن هرمز في يد سُراقة بن مالك بن جُعْشُم؛ أعرابيٌّ مِن بني مدلج! ثم قال: اللَّهُمَّ، إنِّي قد علمتُ أنّ رسولك قد كان حريصًا على أن يصيب مالًا ينفقه في سبيلك وعلى عبادك، فزَوَيْتَ عنه ذلك نظرًا مِنك وخيارًا، اللَّهُمَّ، إنِّي قد علمتُ أنّ أبا بكر كان يحب مالًا ينفقه في سبيلك وعلى عبادك، اللَّهُمَّ، إنِّي أعوذ بك أن يكون هذا مكرًا منك بعمر. ثم تلا: ﴿أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾
عن صهيب الرومي، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في المهاجرين: «هم السابقون الشافعون المُدِلّون على ربهم، والذي نفسُ محمد بيده، إنّهم لَيأتون يوم القيامة على عواتقهم السلاح، فيقرعون باب الجنة، فتقول لهم الخزنة: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن المهاجرون. فتقول لهم الخزنة: هل حُوسِبتم؟ فيجثُون على رُكَبهم، ويرفعون أيديهم إلى السماء، فيقولون: أي رب، أبهذه نُحاسب؟! قد خرجنا وتركنا الأهل والمال والولد. فيمثّل الله لهم أجنحة من ذهب، مُخَوَّصَة بالزبرجد والياقوت، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة». فذلك قوله: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ وقالوا إلى قوله: ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾. قال رسول الله ﷺ: «فلَهُم بمنازلهم في الجنة أعرفُ منهم بمنازلهم في الدنيا»
عن ابن عباس، والمسيّب بن شريك، والسُّدِّيّ، والكلبي: ﴿أفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ نَزَلَتْ في عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان يتصدّقُ ويُنفِق في الخير، فقال له أخوه مِن الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سَرح: ما هذا الذي تصنع؟! يُوشِك أن لا يبقى لك مالٌ. فقال عثمان: إنّ لي ذنوبًا وخطايا، وأنا أطلب بما أصنع رضا الله، وأرجو عفوه. فقال له عبد الله: أعْطني ناقتك برحْلها وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها. فأعطاه، وأشهد الله على ذلك، وأمسَك عن بعض ما كان يصنع مِن الصّدقة والنفقة؛ فأنزل الله سبحانه: ﴿أفرأيت الذي تولى﴾ يعني: يوم أُحد حين ترك المركز، ﴿وأعطى﴾ يعني: صاحبه ﴿قليلًا وأكدى﴾ أي: قطع نفقته. فعاد عثمان رضي الله عنه إلى أحسن ذلك وأجمله
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد - قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ حتى بلغ: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ذُكر لنا: أنّ حاطبًا كَتب إلى أهل مكة يُخبِرهم سيرورة نبي الله ﷺ إليهم زمن الحُدَيبية، فأَطلع الله عز وجل نبيّه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك. وذُكر لنا: أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قَرْنٍ من رأسها، فدعاه نبيُّ الله ﷺ، فقال: «ما حمَلك على الذي صنعتَ؟». قال: واللهِ، ما شككتُ في أمر الله، ولا ارتددتُ فيه، ولكن لي هناك أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعة قريش على أهلي ومالي. وذُكر لنا: أنه كان حليفًا لقريش لم يكن مِن أنفُسهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك القرآن، فقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾
عن عبد الله بن عباس، قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنّ أُبيًّا يزعم أنك تركتَ من آيات الله آية لم تكتبها. قال: واللهِ، لأسألنّ أُبيًّا، فإنْ أنكر لتُكذّبن. فلما صلّى صلاة الغداة غدا على أُبيّ، فأذن له، وطرح له وسادة، وقال: يزعم هذا أنك تزعم أني تركتُ آيةً من كتاب الله لم أكتبها. فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مّالٍ لّابْتَغى إلَيْهِما وادِيًا ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللهُ عَلى مَن تابَ). فقال عمر: أفأكتبها؟ قال: لا أنهاك. قال: فكأن أُبيًّا شكّ؛ أقَوْلٌ من رسول الله ﷺ، أو قرآن مُنّزل؟