علَّقَ ابنُ كثير (ت: سلامة) ٥/٦-٧ على هذا بقوله: «وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب مَن زعم أنّه ﷺ رأى ربه، يعني قوله: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة -في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل- أصح. وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». وفي رواية: «رأيت نورا». أخرجه مسلم»
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عقبة- قال: لَمّا أُنزِلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكن لا يذكر مَن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا مِن الشتم والشَّرِّ. وكان رسول الله ﷺ قد اشْتَدَّ عليه ما ناله وأصحابَه مِن أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم، فكان يَتَمَنّى هداهم، فلمّا أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. ألقى الشيطانُ عندها كلمات حين ذكر الطواغيت، فقال: «وإنّهُنَّ لَهُنَّ الغرانيق العُلى، وإنّ شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى». وكان ذلك مِن سجع الشيطان وفتنته، فوَقَعَت هاتان الكلمتان في قلب كلِّ مشرك بمكة، وذَلَّتْ بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إنّ محمدًا قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسولُ الله ﷺ آخرَ النجم سجد، وسجد كلُّ مَن حضر مِن مسلم أو مشرك، ففشت تلك الكلمةُ في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآيات. فلما بيَّن الله قضاءَه وبرَّأه مِن سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين، واشتدوا عليه
عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ، قال: «مَثل المسلمين واليهود والنصارى كمَثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل على أجرٍ معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطتَ لنا، وما عملناه باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكمِلوا بقيّة عملكم، وخُذوا أجركم كاملًا. فأبَوا، وتركوا. واستأجر قومًا آخرين بعدهم، فقال: أكمِلوا بقيّة يومكم هذا، ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر. فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه. فقال: أكمِلوا بقيّة عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير. فأبَوا. فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقيّة يومهم، فعملوا بقيّة يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مَثلهم ومَثل ما قبلوا من هذا النور»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: ما ابْتُلِي أحدٌ بهذا الدين فقام به كله إلا إبراهيم، قال: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾. قيل: ما الكلمات؟ قال: سهام الإسلام، ثلاثون سهمًا؛ عشر في براءة: ﴿التائبون العابدون﴾ [التوبة:١١٢] إلى آخر الآية، وعشر في أول سورة «قد أفلح»، و«سأل سائل»: ﴿والذين يصدقون بيوم الدين﴾ [المعارج:٢٦] الآيات، وعشر في الأحزاب: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآية. فأتمهن كلهن، فكتب له براءة، قال تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم:٣٧]
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى بينهم، مما قصَّه الله في سورة الأنبياء؛ قال نمروذ -فيما يذكرون- لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد، وتدعو إلى عبادته، وتذكُر مِن قدرته التي تعظِّمه بها على غيره، ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ ثم ذكر ما قصّ الله من مُحاجَّتِه إياه، قال: فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾
عن سعيد بن جبير -من طريق آدم بن سليمان- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾؛ قالوا: أنُؤاخذ بما حَدَّثْنا به أنفسَنا ولم تعمل به جوارحُنا؟! قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنا لا تُؤاخِذۡناۤ إن نَّسِیناۤ أوۡ أخۡطَأۡناۚ﴾. قال: ويقول: قد فعلتُ. ﴿رَبَّنا ولا تَحۡمِلۡ عَلَیۡناۤ إصۡرࣰا كَما حَمَلۡتَهُۥ عَلى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِناۚ﴾. قال: ويقول: فعلتُ. قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، لم تُعْطَها الأمم قبلها
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مَعْمَر، عن رجل- قال: إنّ في سورة النساء خمس آيات ما يَسُرُّني أنّ لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمتُ أنّ العلماء إذا مَرَّوا بها يعرِفونها؛ قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية، وقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ الآية [النساء:٤٠]، وقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية [النساء:٤٨]، وقوله: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية [النساء:٦٤]، وقوله: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ الآية [النساء:١١٠]
عن معدان بن أبي طلحة: أنّ عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة، فذكر نبي الله ﷺ، وذكر أبا بكر، ثم قال: إنِّي لا أدَعُ بعدي شيئًا أهمُّ عندي مِن الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «يا عمرُ، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟!». وإنِّي إن أعِشْ أقْضِ فيها بقضيةٍ يَقْضِي بها مَن يقرأ القرآن، ومَن لا يقرأ القرآن
عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريِّ، قال: أتى وفدُ أهل مصرَ عثمانَ، فقالوا له: ادعُ بالمصحف، وافتتح السابعةَ. وكانوا يُسَمُّون سورة يونس: السّابِعة، فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قل أرأيتم ما أنزل اللهُ لكُم من رزقٍ فجعلتُم منه حرامًا وحلالًا﴾ الآية. فقالوا له: قِفْ، أرَأَيْتَ ما حَمَيْتَ مِن الحِمى، آللَّهُ أذِن لك أم على الله تفترِي؟ فقال: امْضِه، إنّما نزلت في كذا وكذا، فأمّا الحِمى فإنّ عُمَرَ حَمى الحِمى قبلي لإبلِ الصدقة، فلمّا وُلِّيتُ وزادَتْ إبِلُ الصَّدقة زِدتُ في الحِمى
قال يحيى بن سلّام: وأخبرني رجل مِن أهل الكوفة عن السدي، قال: إنّ الكافر إذا نزل به الموتُ، وعاين حسناتِه قليلةً وسيئاتِه كثيرةً؛ نَظَر إلى مَلَك الموت مِن قَبْلِ أن يخرج من الدنيا، فتَمَنّى الرجعة، وصدَّق بما كذب به، فعند ذلك يقول: ﴿رب ارجعون﴾ يعني: إلى الدنيا، ﴿لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾. يقول الله: ﴿كلا﴾ يعني: لا يرجع إلى الدنيا. ثم استأنف، فقال: ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها﴾ ولا يسمع بها بنو آدم. ونحوُ ذلك مثلُ قول فرعون في سورة يونس