عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجل من الأنصار: أنّه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: لأنظُرَنَّ كيف يصلي رسول الله ﷺ. قال: فنام رسول الله ﷺ، ثم استيقظ، فرفع رأسه إلى السماء، فتلا أربع آيات من آخر سورة آل عمران [١٩٠-١٩٣]: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ حتى مر بالأربع، ثم أهوى إلى القربة، فأخذ سواكًا فاستنَّ به، ثم توضأ، ثم صلى، ثم نام، ثم استيقظ، فصنع كصنعه أول مرة، ويزعمون أنّه التهجد الذي أمره الله
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ قال أُناسٌ مِن أهل الضلالة: زعم صاحبُكم هذا أنّ الساعة قد اقتربت. فتَناهَوْا قليلًا، ثم عادوا إلى أعمالهم، أعمال السوء. فلمّا نزل: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل:١] قال أُناس مِن أهل الضلالة: يزعم هذا الرجلُ أنه قد أتى أمر الله. فتناهوا قليلًا، ثم عادوا؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى- في سورة هود [٨]: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه﴾؟ قال الله: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾ يعني: العذاب
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿وأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ﴾: وإنما يعاتب الله أولي الألباب، وإنّما الحلال والحرام لأهل الإيمان، فإيّاهم عاتب، وإيّاهم أمر إذا أسرف أحدُهم على نفسه أن لا يَقْنطَ مِن رحمة الله، وأن يتوب، ولا يُنظِر بالتوبة من ذلك الإسراف والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا المغفرة فقالوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا فِي أمْرِنا﴾ [آل عمران:١٤٧]. فينبغي أن يُعلم أنهم كانوا يصيبون الإسراف، فأمرهم بالتوبة من إسرافهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأَمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾، قال: يقول: ﴿كلا﴾ ما أغنيتُ هذا الغني لكرامته، ولا أفقرتُ هذا الفقير لهوانه عليّ، ولكن كذلك أردتُ أنْ أُحسن إلى هذا الغني في الدنيا، وأهون على هذا الفقير حسابه يوم القيامة، ثم قال في سورة أخرى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦]. يقول: ليس من شدة إلا بعدها رخاء، ولا رخاء إلا بعده شدة
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريلُ وفي كفِّه مِرآة كأحسن المرائي وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: لِمَن هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هذه الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم مِن أيام ربك تعالى عظيم، وأخبرك بفضله وشرفه في الدنيا وما يرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة؛ وأما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله جمع فيه أمر الخلق، وأمّا ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمَة مسلمة يسألان الله فيها خيرًا إلا أعطاهما إياه، وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله عز وجل إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهلَ النار إلى النار جَرَت عليهم هذه الأيام وهذه الليالي ليس فيها ليل ولا نهار، فأعلم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة -حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم- نادى أهلَ الجنة مُنادٍ: يا أهل الجنة، اخرجوا إلى وادي المزيد. قال: ووادي المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله، فيه كثبان المسك، رؤوسها في السماء، يعني الذي قال، فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحًا تدعى المثيرة، تثير ذلك المسك، وتدخله من تحت ثيابهم، وتخرجه من وجوههم وأشعارهم، تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك مِن امرأة أحدكم لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض، فقيل لها: لا يمنعك فيه قلة. كانت تلك الريح أعلم بما تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها من ذلك الطيب. قال: ثم يوحي الله عز وجل إلى حملة عرشه، فوضعوه بين أظهرهم، فيكون أول ما يسمعون منه: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدقوا رسلي، واتبعوا أمري، فسألوني، فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربنا رضينا عنك فارض عنا. ويرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة، لو لم أرض عنكم لم أسكنكم دياري، فما تسألوني؟ فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربِّ، وجهك ننظر إليه. فيكشف الله عن تلك الحُجُب، فيتَجَلّى لهم، فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى أنهم لا يحترقون لاحترقوا مما يغشاهم من نوره، ثم يقول لهم: ارجعوا إلى منازلكم. فيرجعون إلى منازلهم، وقد أعطي كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره، فإذا رجعوا فلا يزال النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فيقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم في غيرها. فيقولون: ذلك أن الله عز وجل تَجَلّى لنا فنظرنا منه. قال: إنّه -واللهِ- ما أحاط به خلقٌ، ولكنه أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم، فذكر قوله، فنظرنا منه، قال: وهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه». قال رسول الله ﷺ: «فذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾»
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآية، قال: إنّ أُناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَمَ النبي - ﷺ - المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مَثَلُهم كمَثَل رجل كان في ظُلْمة، فأوقد نارًا، فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى، فأبصره حتى عرف ما يتَّقِي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يَتَّقي من أذى، فكذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك، فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر؛ فهم صُمٌّ بُكْمٌ، فَهُمُ الخُرْس، فهُم لا يرجعون إلى الإسلام، وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -، وكانت الظلمة نفاقهم
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، مَن أحصاها دخل الجنة، إنّه وِترٌ يُحبُّ الوِتْر، هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملكُ، القُدُّوس، السَّلام، المُؤْمِن، المُهَيْمِن، العزيز، الجبّار، المُتَكَبِّر، الخالق، البارئ، المُصَوِّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابِض، الباسِط، الخافِض، الرافِع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المُقِيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المُجيب، الواسِع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقُّ، الوكيل، القويُّ، المتين، الوليُّ، الحميد، المُحْصِي، المُبْدِئ، المُعِيد، المُحْيِي، المُمِيت، الحيُّ، القيوم، الواجِد، الماجِد، الواحِد، الأحد، الصمد، القادِر، المُقْتَدِر، المُقَدِّم، المُؤَخِّر، الأول، الآخر، الظاهِر، الباطِن، البَرُّ، التوّاب، المُنتَقِم، العَفُوُّ، الرءوف، مالكُ المُلك، ذو الجلال والإكرام، الوالي، المتعال، المُقْسِطُ، الجامع، الغنيُّ، المغني، المانِع، الضّارُّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور»
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مَن أحصاها دخَل الجنة، أسألُ الله، الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، القدُّوس، السَّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المُتَكَبِّر، الخالق، البارئ، المصوِّر، الحليم، العليم، السَّميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنّان، المنّان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدِئ، المعيد، النور، البادئ -وفي لفظ: القائم-، الأول، الآخر، الظّاهر، الباطن، العفوُّ، الغفّار، الوهّاب، الفرد -وفي لفظ: القادر-، الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعالي، ذا الجلال والإكرام، المولى، النَّصير، الحق، المبين، الوارث، المنير، الباعث، القدير -وفي لفظ: المجيب-، المُحْيِي، المميت، الحميد -وفي لفظ: الجميل-، الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتّاح، التوّاب، القديم، الوِتْر، الفاطر، الرزاق، العلّام، العلي، العظيم، الغني، المليك، المقتدر، الأكرم، الرءوف، المُدَبِّر، المالك، القاهر، الهادي، الشّاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطَّوْلِ، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلّاق، الكفيل، الجليل»
عن زيد بن أسلم -من طريق سعيد بن أبي هلال- قال: كان في الزنا ثلاثة أنحاء؛ أمّا نحوٌ فقال الله: ﴿لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة﴾، فلم يَنتَهِ الناسُ. قال: ثم نزل: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء:١٥]، كانت المرأة الثيب إذا زنتْ، فشهد عليها أربعةٌ عُطِّلت، فلم يتزوجها أحد، فهي التي قال الله: ﴿ولا تعضلوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء:١٩]. قال زيد: ثم نزلت: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ [النساء:١٦]، فهذان البكران اللذان إن لم يتزوجا وآذاهما أن يعرفا بذنبهما، فيقال: يا زان. حتى تُرى منهما توبة، حتى نزل السبيل، قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور:٢]، فهذا للبِكْرَيْن. قال زيد: وكان للثَّيِّب الرجم
قال يحيى بن سلّام: وبعضهم يقول: نزلت في كل زانية ثُمَّ نسِخَت، فيما حدثني نصر بن طريف وأبو أمية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور:٣٢]. وحدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنّ رجلًا أتاه، فقال: إنِّي أصبتُ مِن امرأةٍ ما حَرَّم اللهُ، فأذهب اللهُ ذلك، ورزقني توبةً، فأردت أن أتزوجها، وإنهم يقولون: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾. فقال: كُنَّ بغايا لهن رايات مثل رايات البياطرة، فيدخل عليهن الناس. اذهب فتزوَّجها، فما كان مِن إثم فهو عَلَيَّ. وحدثني همام، عن قتادة: أنّ أُبي بن كعب ورجلًا من أصحاب النبي ﷺلم يروا بأسًا إذا زنى الرجلُ بالمرأة أن يتزوجها، وقالوا: الشرك أعظم من ذلك. قال يحيى: يعنون: أنها قد تكون مشركة ثم تُسْلِم، فهو أعظم مِن الزنا