علَّق ابنُ كثير (٦‏/‏٢٥٠-٢٥١) على قول قتادة، فقال: «وهو كما قال، فإنّ جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ * ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠-١٣٢]، وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقال موسى: ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ * ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [يونس:٨٤-٨٦]، وقال تعالى: ﴿إنّا أنزلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]»

سورة البقرة — الآية ١٧

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآية، قال: إنّ أُناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَمَ النبي - ﷺ - المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مَثَلُهم كمَثَل رجل كان في ظُلْمة، فأوقد نارًا، فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى، فأبصره حتى عرف ما يتَّقِي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يَتَّقي من أذى، فكذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك، فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر؛ فهم صُمٌّ بُكْمٌ، فَهُمُ الخُرْس، فهُم لا يرجعون إلى الإسلام، وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -، وكانت الظلمة نفاقهم

سورة آل عمران — الآية ٦١

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- ﴿فقل تعالوا﴾ إلى قوله: ﴿ثم نبتهل﴾، يقول: نجتهد في الدعاء أنّ الذي جاء به محمد هو الحق، وأنّ الذي يقولون هو الباطل. فقال لهم: «إنّ الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم». فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع، فننظر في أمرنا، ثم نأتيك. فخلا بعضُهم ببعض، وتصادقوا فيما بينهم، قال السيدُ للعاقب: قد -واللهِ- علمتُم أنّ الرجل نبيٌّ مُرْسَل، ولَئِن لاعنتموه إنّه لاسْتِئْصالُكم، وما لاعن قومٌ قطُّ نبيًّا فبقي كبيرهم ولا نَبَتَ صغيرُهم، فإن أنتم لم تتبعوه وأبيتم إلا إلْفَ دينِكم فوادِعوه، وارجعوا إلى بلادكم. وقد كان رسول الله ﷺ خرج ومعه عليٌّ والحسن والحسين وفاطمة، فقال رسول الله ﷺ: «إن أنا دعوتُ فَأَمِّنُوا أنتم». فأبوا أن يُلاعِنوه، وصالَحوه على الجزية

سورة البقرة — الآية ٢٢١

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح-: أنّ رسول الله ﷺ بَعَثَ رجلًا من غَنِي -يُقال له: مَرْثَد بن أبي مَرْثَد، حليفًا لبني هاشم- إلى مكة؛ ليُخْرِج ناسًا من المسلمين بها أُسَراء، فلما قَدِمها سَمِعَتْ به امرأةٌ يُقالُ لها: عَناق، وكانت خليلةً له في الجاهلية، فلَمّا أسلم أعرض عنها، فأتَتْهُ، فقالت: ويْحَك يا مرثدُ، ألا نخلو! فقال لها: إنّ الاسلام قد حال بيني وبينك، وحَرَّمه علينا، ولكن إن شئتِ تزوجتُكِ، إذا رجعتُ إلى رسول الله ﷺ استأذنتُه في ذلك، ثُمَّ تزوجتُك. فقالت له: أبِي تَتَبَرَّمُ؟! ثم استغاثت عليه، فضربوه ضربًا شديدًا، ثم خَلَّوْا سبيلَه، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله ﷺ راجعًا، وأَعْلَمَه الذي كان من أمرِه وأمرِ عَناق، وما لَقِي في سببها، فقال: يا رسول الله، أيَحِلُّ أن أتزوجها؟ فأنزل الله ينهاه عن ذلك قولَه: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾

سورة المائدة — الآية ١٠٦

عن المطَّلب بن أبي وداعةَ -من طريق محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: خرَج ثلاثةُ نفرٍ تُجّارًا؛ عديُّ بن بَدّاء، وتميمُ بن أوس الداري، وخرَج معهم بُديلُ بن أبي ماريةَ مولى عمرِو بن العاصي، وكان مسلمًا، حتى إذا قدِموا الشامَ مرِض بُديلٌ، فكتَب كتابًا في صَحيفةٍ فيه جميعُ ما معه، وفسَّره، ثم طرَحه في جُوالِقِه، فلما اشتدَّ مرضُه أوصى إلى تميم وإلى عديٍّ النصرانيَّين، فأمَرهما أن يَدفَعا متاعَه إذا رجَعا إلى أهلِه. قال: ومات بُديلٌ، فقبَضا متاعَه، ففتَّشاه وأخَذا منه إناءً كان فيه من فضةٍ منقوشًا بالذهب، فيه ثلاثُمائةِ مثقالٍ مُمَوَّهٍ بالذهب، فانصَرفا، فقدِما المدينة، فدفَعا المتاعَ إلى أهل الميِّت، ففتَّشُوا المتاع، فوجَدوا الصحيفة، فيها تَسميةُ ما كان فيها من متاعِه، وفيه الإناءُ الفضةُ المموَّهُ بالذهب، فرفَعوهما إلى النبي ﷺ، فذكَروا ذلك له؛ فأُنزلت: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية

سورة الأعراف — الآية ٧٣

عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا نزل الحِجْرَ قام فخطَب الناس، فقال: «يا أيُّها الناس، لا تسألوا نبيَّكم عن الآيات؛ فإنّ قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعثَ إليهم آية، فبَعث الله إليهم الناقة، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفَجِّ فتشرَبُ ماءَهم يوم وِرْدِها، ويحتَلِبون مِن لبنِها مثلَ الذي كانوا يأخُذون مِن مائها يوم غِبِّها، وتصدُرُ مِن هذا الفَجِّ، فعتَوْا عن أمر ربِّهم، فعقَروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا مِن الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلَك الله مَن كان منهم تحتَ مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلًا كان في حَرَمِ الله، فمنَعه حَرَمُ الله مِن عذاب الله». فقيل: يا رسول الله، مَن هو؟ قال: «أبو رِغالٍ، فلمّا خرج مِن الحرم أصابَه ما أصاب قومَه»

سورة الواقعة — الآية ٩٤

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الميت تَحضُره الملائكة؛ فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرُجي، أيّتها النفس الطّيّبة كانت في الجسد الطّيّب، اخرُجي حميدةً، وأَبْشري بروح وريحان وربّ غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى تَخْرج، فيُصعَد بها إلى السماء، فيُستفتَح لها؛ فيقال: مَن هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطّيّبة كانت في الجسد الطّيّب، ادخُلي حميدة، وأَبْشري برَوح وريحان وربٍّ غير غضبان. فيُقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله -تبارك وتعالى-، وإذا كان الرجل السّوء قالوا: اخرُجي، أيّتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرُجي ذميمةً، وأَبْشِري بحميمٍ وغسّاق، وآخر مِن شَكْله أزواج، فيقولون ذلك له حتى تَخْرج، ثم يُعرج بها إلى السماء، فيُستفتَح لها، فيُقال: مَن هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمةً، فإنّه لن يُفتَح لك. فتُرمى مِن السماء إلى الأرض، ثم تصير في القبر»

سورة الممتحنة — الآية ١٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ صالَح أهل مكة يوم الحُدَيبية، وكَتب بينه وبينهم كتابًا، فكان في الكتاب أنّ مَن لَحِق أهل مكة من المسلمين فهو لهم، ومَن لَحق منهم بالنبي ﷺ ردّه عليهم، وجاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ اسمها: سُبَيعة بنت الحارث الأَسلمية -في المُوادعة-، وكانت تحت صيفيّ بن الرّاهب مِن كفار مكة، فجاء زوجها يَطلبها، فقال للنبي ﷺ: رُدّها علينا، فإنّ بيننا وبينك شرطًا. فقال النبي ﷺ: «إنما كان الشّرط في الرجال، ولم يكن في النساء». فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾... فتزوّجها عمر بن الخطاب، ويُقال: تزوّجها أبو السّنابل بن بَعكك بن السّباق بن عبد الدّار بن قُصي...

سورة القلم — الآية ١٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم رجع في التقديم، فقال: ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ يقول: إنّا ابتليناهم -يعني: أهل مكة- بالجوع ﴿كَما بَلَوْنا﴾ يقول: كما ابتلينا ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ بالجوع حين هَلكتْ جَنّتهم، كان فيها نخل وزرع وأعناب، ورثوها عن آبائهم، واسم الجَنّة: الصّريم. وهذا مَثلٌ ضربه الله تعالى لأهل مكة؛ ليَعتبروا عن دينهم، وكانت جَنّتهم دون صنعاء اليمن بفَرسَخين، وكانوا مسلمين، وهذا بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، وكان آباؤهم صالحين، يَجعلون للمساكين من الثمار والزرع والنخل ما أخطأ الرجل، فلم يَره حين يَصْرِمهُ، وما أخطأ المِنجَلُ، وما ذَرتْه الريح، وما بقي في الأرض مِن الطعام حين يُرفع، وكان هذا شيئًا كثيرًا، فقال القوم: كَثُرت العيال، وهذا طعام كثير، اغدُوا سِرًّا جنّتكم، فاصرِموها، ولا تُؤذِنوا المساكين، كان آباؤهم يُخبِرون المساكين، فيَجتمعون عند صِرامِ جَنّتهم، وعند الحصاد

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٦٦٨)، وابنُ عطية (٢‏/‏٦٦) إلى ما ذهب إليه الشعبي، والسديّ، وأبو صالح، وابن زيد، ومن نحا نحوهم، مِن أنّ معنى قوله تعالى: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾ يعني: تصديقًا ويقينًا. قال ابنُ جرير (٤‏/‏٦٦٨): «وإنما عنى الله -جل ثناؤه- بذلك: أن أنفسهم كانت موقنة مصدّقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير منّ ولا أذى، فثبتتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وصححت عزمَهم وآراءهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا بوعد الله إياها ما وعدها؛ ولذلك قال مَن قال من أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وتثبيتًا﴾: وتصديقًا. ومَن قال منهم: ويقينًا؛ لأن تثبيت أنفُسِ المنفقين أموالَهم ابتغاء مرضاة الله إياهم إنما كان عن يقين منها، وتصديق بوعد الله عز وجل»