قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من الملائكة، وذلك حين قال كفار مكة: ﴿وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان:٦٠]، واستكبروا عن السجود، فأخبر الله أنّ الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني: لا يتكبرون ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾ كفعل كُفّار مكة، وأخبر عن الملائكة، فقال: ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يعني: يذكرون ربهم، ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يقول: يُصَلُّون
علَّقَ ابن تيمية (١/٣٢٥) على هذا القول بقوله: «هذا من جنس وصفها بالسجود له والتسبيح، قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور:٤١]، لكن قد يُقال: فالصلاة صلاة المخلوقات والمؤمنين، ولم يُرِد أنّ الكافرين يُصَلُّون؛ فتكون الآية خاصَّة، ولهذا حُكِي عن ابن عباس أنه قال: هي خاصة»
اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ على أقوال: الأول: يرى تقلبك في صلاتك حين تقوم، وحين تركع، وحين تسجد. الثاني: يرى تقلبك في المصلين، وإبصارك منهم من هو خلفك، كما تبصر من هو بين يديك منهم. الثالث: يرى تقلبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلين في الجماعة. الرابع: يرى تصرفك في ذهابك ومجيئك في الناس. الخامس: يرى تصرفك في أحوالك كما كانت الأنبياء قبلك تفعله. السادس: يرى تقلبك في أصلاب الأنبياء. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٦٦٩) مستندًا إلى دلالة الظاهر القول الثالث، وهو قول ابن عباس من طريق عطاء، وقتادة من طريق معمر، وابن زيد، ومن وافقهم، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك هو الظاهر من معناه». وانتقد (١٧/٦٦٩-٦٧٠) القول الرابع، والثاني، مستندًا إلى الأغلب من اللغة، فقال: «فأما قول مَن وجَّهه إلى أن معناه: وتقلبك في الناس. فإنه قولٌ بعيدٌ من المفهوم بظاهر التلاوة، وإن كان له وجْه، لأنه وإن كان لا شيء إلا وظِلُّه يسجد لله، فإنه ليس المفهوم من قول القائل: فلانٌ مع الساجدين، أو في الساجدين، أنه مع الناس أو فيهم، بل المفهوم بذلك أنه مع قومٍ سجودٍ السجودَ المعروف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأغلب أولى من توجيهه إلى الأنكر. وكذلك أيضًا في قول مَن قال: معناه: تتقلَّبُ في أبصار الساجدين، وإن كان له وجْه، فليس ذلك الظاهر من معانيه». وانتقد ابنُ عطية (٦/٥١١) القول الثاني، فقال: «وهذا معنًى أجنبيٌّ هنا»
قال يحيى بن سلّام: قال بعضهم: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ كان رسول الله ﷺ يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من بين يديه. قال يحيى: وسمعت سعيدًا يذكر عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «أحسِنوا الركوعَ والسجودَ إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم، والذي نفسي بيده، إنِّي لَأراكم مِن بعد ظهري كما أراكم مِن بين يدي»
عن أبي ذرٍّ، قال: دخلتُ المسجدَ ورسولُ الله ﷺ جالس، فلما غربت الشمس قال: «يا أبا ذر، هل تدري أين تذهب هذه؟». قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب تستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها». ثم قرأ: (وذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَّها). في قراءة عبد الله [بن مسعود]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿للطائفين﴾ بالبيت، ﴿والقائمين﴾ يعني: المقيمين بمكة مِن أهلها، ﴿والركع السجود﴾ يعني: في الصلوات الخمس، وفي الطواف حول البيت مِن أهل مكة وغيرهم، والبيت الحرام اليومَ مكان البيت المعمور، ولو أنّ حجرًا وقع مِن البيت المعمور وقع على البيت الحرام، وهو في العرض والطول مثله، إلّا أنّ قامته كما بين السماء والأرض
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال تعالى للذين أنكروا أنّه رسول الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿أشِدّاءُ﴾ يعني: غُلظاء ﴿عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: مُتَوادِّين بعضهم لبعض، ﴿تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ يقول: إذا رأيتَهم تعرف أنهم أهل ركوع وسجود في الصلوات، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا﴾ يعني: رِزقًا من الله، ﴿ورِضْوانًا﴾ يعني: يطلبون رِضا ربهم
عن سعيد بن جبير، أنّ عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن صلاة الملائكة. فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريل، فقال: إنّ أهل السماء الدنيا سجودٌ إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي المُلْك والمَلَكُوت. وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي العِزَّة والجَبَرُوت. وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان الحيِّ الذي لا يموت
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يعني: صدّق بالله، ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يعني: مَن صدّق بتوحيد الله، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وأَقامَ الصَّلاةَ﴾ لوقتها؛ أتَمَّ ركوعَها وسجودَها، ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ يعني: وأعطى زكاة ماله، ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يعني: ولم يعبد إلا الله، ﴿فَعَسى أُولئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ مِن الضلالة
عن نافع بن خالد الخُزاعي، عن أبيه، أنّ النبي ﷺ صلّى صلاة خفيفة تامَّة الركوع والسجود، فقال: «قد كانت صلاة رغبة ورهبة، فسألتُ الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وبقي واحدة؛ سألتُ الله ألّا يُصِيبكم بعذاب أصابَ به مَن قبلكم، فأعطانيها، وسألتُ الله ألّا يُسلِّط عليكم عدوًّا يستبيحُ بَيْضَتَكم، فأعطانيها، وسألتُه ألّا يَلبِسَكم شيعًا ويُذِيقَ بعضكم بأسَ بعض، فمَنَعَنِيها»