اختُلِف في معنى «الفاحشة» في هذا الموضع على خمسة أقوال: الأول: أنها الزنا، والإخراج -على ذلك- هو الإخراج لإقامة الحد. والثاني: أنها البذاء على أحمائها. والثالث: أنها كلّ معصية لله. والرابع: أنها نشوز المرأة على زوجها. والخامس: أنها خروج المرأة من بيتها قبل انقضاء عِدّتها. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣/٣٦) -استنادًا إلى اللغة والعموم- جميع تلك المعاني، فقال: «الصواب مِن القول في ذلك عندي قول مَن قال: عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية. وذلك أنّ الفاحشة هي كلُّ أمر قبيح تُعُدِّي فيه حدُّه، فالزِّنا مِن ذلك، والسَّرَق والبَذاء على الأحماء، وخروجها متحوِّلة عن منزلها الذي يلزمُها أن تعتدَّ فيه منه، فأي ذلك فعلتْ وهي في عِدّتها فلزوجها إخراجها من بيتها؛ ذلك لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٤/٢٨)
اختُلِف هل هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ أم لا؟ فقال قوم بالنسخ، وقال غيرهم بعدم النسخ. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٤٠٦ بتصرف)، وابنُ تيمية (١/٥٧٥)، وإليه ذهب ابنُ كثير (٢/٤١١) القولَ بعدم النسخ الذي قاله ابنُ عباس من طريق عطاء، ومجاهد، وعطاء، استنادًا إلى عدم التعارض بين الآيتين، وذلك «أنّ هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سَنَةً حتى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشرًا، وإنّما دلَّت على أنّ ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يُمَكَنَّ مِن السُّكْنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، ولهذا قال: ﴿وصية لأزواجهم﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصيةً، كقوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية [النساء:١١]، وقال: ﴿وصية من الله﴾ [النساء:١٢]. فأما إذا انقضَتْ عِدَّتُهُنَّ بالأربعة الأشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل؛ فإنّهُنَّ لا يُمْنَعْنَ مِن ذلك؛ لقوله: ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف﴾. ثُمَّ إن الله -تعالى ذِكْرُه- أبطل مِمّا كان جُعِل لَهُنَّ مِن سكنى حولٍ سبعةَ أشهر وعشرين ليلة، ورَدَّهُنَّ إلى أربعة أشهر وعشر على لسان رسول الله ﷺ. حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:... عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري: أنّ زوجها خرج في طلب عبدٍ له، فلحقه بمكان قريب، فقاتله، وأعانه عليه أعْبُدٌ معه، فقتلوه، فأتتْ رسولَ الله ﷺ، فقالتْ: إنّ زوجها خرج في طلب عبدٍ له، فلقيه عُلُوجٌ، فقتلوه، وإنِّي في مكانٍ ليس فيه أحد غيري، [وإني] أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي. فقال لها رسول الله ﷺ: «بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله». قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا». وعَلَّق ابنُ كثير (٢/٤١١-٤١٢) على القول بنسخ النفقة بآيات الميراث، فقال: «قولُ عطاء ومَن تابعه على أنّ ذلك منسوخٌ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمُسَلَّمٌ، وإن أرادوا أنّ سكنى الأربعة الأشهر وعشر لا تجب في تركة الميِّت فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي». ورَجَّح ابنُ عطية (١/٦٠٧) نسخَ الآية مستندًا إلى اتفاقهم على النسخ، فقال بعد ذكره لأحكامها: «وهذا كُلُّه قد زال حكمُه بالنسخِ المتفقِ عليه»
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد بن بشير- في قول الله تعالى: ﴿يغشى طائفة منكم﴾، قال: وكانوا يومئذٍ فِرْقَتَيْن؛ فأمّا فرقةٌ فغشيها النعاسُ، وأمّا الفرقة الأخرى فالمنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أرعبُ قومٍ، وأخبثُه، وأخذلُه للحق[[أخرجه ابن أبي حاتم ٣/٧٩٣، ٧٩٤. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٢٨-.]]
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، يقول: لتكونوا شهداء على الأمم الذين خَلَوا مِن قبلكم بما جاءتهم به رسلهم، وبما كذّبوهم، فقالوا يوم القيامة، وعَجِبوا: أنّ أمة لم يكونوا في زماننا، فآمنوا بما جاءتْ به رسلُنا، وكذّبنا نحن بما جاءوا به! فعَجِبوا كُلَّ العجب، ﴿ويكون الرسول عليكم شَهيدًا﴾ يشهد أنّهم آمنوا بالحق إذ جاءهم
عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إيّاكم يريد رسول الله ﷺ. قالوا: إذن لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى بَرْكِ الغِمادِ لاتَّبعناك
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر مؤمني أهل التوراة، فقال سبحانه: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي ﷺ: إنّ اليهود لَتَعْلَمُ أنّ الذي جئتَ به حقٌّ، وإنّك لَمَكتوبٌ عندهم في التوراة. فقالت اليهود: ليس كما تقولون، وإنّهم لا يعلمون شيئًا، وإنّهم ليغرونك، ويحدثونك بالباطل. فقال الله عز وجل: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- قال: من نساء أهل الكتاب مَن يَحِلُّ لنا، ومنهم من لا يَحِلُّ لنا. ثم قرأ: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة:٢٩]، فمن أعطى الجزية حَلَّ لنا نساؤه، ومن لم يُعْط الجزية لم يَحِلَّ لنا نساؤه. قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أُولَئِكَ﴾ الكَذَبَة ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأَشْهادُ﴾ يعني: الأنبياء. ويُقال: الحَفَظَة. ويُقال: الناس. مثل قول الرجل: على رءوس الأشهاد، ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ يعني بالأشهاد يعني: الأنبياء، فإذا عرضوا على ربهم قالت الأنبياء: نحن نشهد عليكم أنّا شهدنا بالحَقِّ فكذَّبونا، ونشهد أنّهم كذبوا على ربهم، وقالوا: إنّ مع الله شريكًا
عن عبيد بن عمير -من طريق مجاهد- قال: لَمّا أصاب قومَ نوح الغرقُ قام الماءُ على رأس كل جبل خمسة عشر ذراعًا، فأصاب الغرقُ امرأةً في مَن أصاب، معها صبي لها، فوضعته على صدرها، فلمّا بلغها الماء وضعته على منكبيها، فلمّا بلغها الماء وضعته على يديها، فقال اللهُ: لو رَحِمْتُ أحدًا مِن أهل الأرض لَرَحِمْتُها، ولكن حَقَّ القول مِنِّي
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في الآية، قال: لا يزالُ يقعُ من تأويله أمرٌ، حتى يَتِمَّ تأويلُه يوم القيامة، حتى يدخُل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، فيَتِمَّ تأويلُه يومئذٍ، ففي ذلك أُنزِلت: ﴿يومَ يأْتي تأويلُهُ﴾ حيثُ أثاب الله أولياءَه وأعداءَه ثوابَ أعمالهم، ﴿يقول﴾ يومئذٍ ﴿الَّذين نسوهُ من قبلُ قدْ جاءتْ رُسُلُ ربنا بالحقِّ﴾ إلى آخر الآية