قال مقاتل بن سليمان: ﴿يسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، يعني: القمار.... وذلك أنّ الرجل كان يقول في الجاهِلِيَّة: أين أصحاب الجَزُور؟ فيقوم نفر، فيشترون الجَزور، فيجعلون لكل رجل منهم [سهمًا]، ثُمَّ يُقْرِعون، فمَن خرج سهمُه يَبْرَأُ من الثمن، حتّى يبقى آخرُهم رَجُلًا، فيكون ثمن الجَزُور كله عليه وحده، ولا حَقَّ له في الجَزُور، ويقتسم الجزورَ بقيتُّهم بينهم. فذلك المَيْسِر، ... وإنما سُمِّي الميسر لأنهم قالوا: يَسِّرُوا لنا ثَمَنَ الجَزُور. يقول الرجل: أفعل كذا وكذا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول: فإن أبَوْا حكمك؛ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُمْ﴾ يعني: أن يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء من المدينة إلى الشام ﴿ببعض ذنوبهم﴾ يعني: ببعض الدماء التي كانت بينهم من قبل أن يُبعث محمد ﷺ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يعني: رءوس اليهود ﴿لَفاسِقُونَ﴾ يعني: لعاصون حين كرهوا حكمَ النبي ﷺ في أمر الدماء بالحق، فقال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد للنبي ﷺ: لا نرضى بحكمك
قال مقاتل بن سليمان:... فقال لهم النبي ﷺ: «إنّكم لَتعلمون حقَّ ما أقول، وإنّه لَفي التوراة، فإن تتوبوا وترجعوا يغفر لكم ذنوبكم». قالوا: لو كان ما تقول في التوراة لَتابعناك. فقال النبي ﷺ: «واللهِ، إنّكم لتشهدون بما أقول». قالوا: ما عندنا بذلك شهادة. قال اللهُ عز وجل: فإن لم يشهد لك أحدٌ منهم فإنّ الله وملائكتَه يشهدون بذلك؛ فذلك قوله عز وجل: ﴿لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يَدخُلُ النارَ مَن كان في قلْبه مثقالُ حَبَّة مِن إيمانٍ، ولا يدخلُ الجنة مَن كان في قلبه مثقالُ حبة من كِبْر». قال رجلٌ: يا رسول الله، إنّه يُعجبُني أن يكون ثوبي غسيلًا، ورأسي دَهينًا، وشِراكُ نعلي جديدًا -وذكر أشياءَ، حتى ذكر علاقةَ سوْطه-، فمِن الكِبْر ذاك، يا رسول الله؟ قال: «لا، ذاك الجَمالُ، إنّ الله عز وجل جميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ولكِنَّ الكِبْرَ مَن سَفِه الحقَّ، وازْدرى الناسَ»
عن قتادة بن دعامة، قال: مُتَكَلِّمانِ تكَلَّما يومَ القيامة؛ نبي اللهِ عيسى، وإبليسُ عدوُّ الله. فأمّا إبليسُ فيقولُ: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ [إبراهيم:٢٢]، وصدَق عدوُّ الله يومئذٍ وكان في الدنيا كاذبًا. وأمّا عيسى فما قَصَّ اللهُ عليكم في قوله: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ إلى آخر الآية. فقال الله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾. وكان صادقًا في الحياة الدنيا، وبعد الموت
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا﴾، يقول: كل مال أعطيته عبدًا مِن عبادي قلَّ أو كَثُر لا يُطِيعُني فيه لا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويُقال: إنّ قومًا ضُلّالًا أعرضوا عن الحق، وكانوا أولي سَعَة من الدنيا مُكْثِرِين، فكانت معيشتهم ضَنكًا، وذلك أنّهم كانوا يَرَوْن أنّ الله عز وجل ليس بِمُخْلِفٍ لهم معايشهم مِن سوء ظنهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبدُ يُكَذِّب بالله، ويُسِيءُ الظن به؛ اشْتَدَّت عليه معيشتُه، فذلك الضنك
قال يحيى بن سلّام: حدثني الحسن بن دينار، عن الحسن، قال: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾، قال: لَمّا نزل في قاتل المؤمن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ [النساء:٩٣] إلى آخر الآية؛ اشْتَدَّ ذلك عليهم، فأتوا رسول الله، وذكروا الفواحش، وقالوا: قد [قتلنا]، وفعلنا، وفعلنا. فأنزل الله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾. وقال: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ بالشرك ﴿لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر:٥٣] التي كانت في الجاهلية
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق أصبغ- في قوله: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾، قال: البطر: الأشر، عصوا وخالفوا أمر الله وبطروا. وقرأ قول الله: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون* ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين﴾ [غافر:٧٥-٧٦]، وقال: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾، البطر: الأشر، أهل الغفلة وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله، وقال: ذلك البطر في النعمة
قال إسماعيل السُّدِّيّ: كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة وخمسين سنة، وقيل: ستمائة سنة، لم تسمع الملائكة فيها وحيًا، فلمّا بعث اللهُ محمدًا ﷺ بالرسالة فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة؛ لأنّ محمدًا ﷺ عند أهل السموات من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفًا من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء، فيكشف عنهم، فيرفعون رؤوسهم، ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق -يعني: الوحي-، وهو العلي الكبير
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ موسى ﴿بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ يعني: اليد، والعصا؛ آمنت به بنو إسرائيل، ﴿قالُوا﴾ أي: قال فرعون وحده لقومه للملأ، يعني: الأشراف: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يعني: مع موسى، ﴿واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ يقول: اقتلوا أبناءهم، ودَعوا البنات. فلما همُّوا بذلك حبسهم الله عنهم حين أقطعهم البحر، يقول الله عز وجل: ﴿وما كَيْدُ﴾ فرعون الذي أراد ببني إسرائيل مِن قتْل الأبناء واستحياء النساء ﴿إلّا فِي ضَلالٍ﴾ يعني: خسار