عن مروان بن جناح، عن إبراهيم أبي زرعة -وكان قد قرأ الكتاب-: أنّ الوليد بن عبد الملك قال له: أيُحاسبُ الخليفة، فإنك قد قرأتَ الكتاب الأول، وقرأت القرآن، وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أقول؟ قال: قل في أمان الله. قلت: يا أمير المؤمنين، أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إنّ الله عز وجل جمع له النبوة والخلافة، ثم توَّعده في كتابه، فقال تعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾... الآية
اختُلِف في عود الضمير في قوله: ﴿فأنساه﴾ على قولين: الأول: أنّه عائد على يوسف عليه السلام. أي: نسي في ذلك الوقتِ أن يشتكي إلى الله، واعتصم بمخلوق. الثاني: أنّه عائد على الساقي، أي: نسي ذكر يوسف عند الملك. ورجَّح ابنُ كثير (٨/٤٥) القول الثاني الذي قاله مجاهد، وابن إسحاق، فقال: «هذا هو الصواب أنّ الضمير في قوله: ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ عائد على الناجي». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٥/٩٦) أنّ قوله: ﴿وادكر﴾ يُقَوّي هذا القول، ثم علَّق بقوله: «والأمر محتمل»
قال ابنُ جرير (١٤/٤٧٦-٤٧٧): «يقول -تعالى ذِكْرُه-: ثم أدَلْناكُم -يا بني إسرائيل- على هؤلاء القوم الذين وصفهم -جلَّ ثناؤه- أنه يبعثهم عليهم، وكانت تلك الإدالة والكرّة لهم عليهم، فيما ذكر السدي في خبره أنّ بني إسرائيل غزوهم، وأصابوا منهم، واستنقذوا ما في أيديهم منهم. وفي قول آخرين: إطلاق الملك الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم، ورد ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتال. وفي قول ابن عباس الذي رواه عطية عنه: هي إدالة الله إياهم من عدوهم جالوت حتى قتلوه»
عن أبي جعفر محمد بن علي -من طريق معروف المَكِّيّ عمَّن سمع أبا جعفر- قال: السِّجِلُّ مَلَكٌ، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لَمَحات ينظرهن في أُمِّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خَلْق آدم وما فيه من الأمور، فأسرَّ ذلك إلى هاروت وماروت وكانا من أعوانه، فلما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. قالا ذلك استطالة على الملائكة
عن سعيد بن جبير، أنّ عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن صلاة الملائكة. فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريل، فقال: إنّ أهل السماء الدنيا سجودٌ إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي المُلْك والمَلَكُوت. وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي العِزَّة والجَبَرُوت. وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان الحيِّ الذي لا يموت
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قول الله: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾. قال: إلا أن تدعَ المرأةُ نصفَ المهر الذي لها، أو يعطيها زوجُها النصفَ الباقي، فيقول: كانت في مِلْكي، وحبَسْتُها عن الأزواج. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ زهير بن أبي سلمى وهو يقول: حَزْما وبرًّا للإله وشيمةً تَعفو على خُلُق المسيء المفسد؟
عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذُؤَيب: أنّ رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في مِلك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال: أحلَّتهما آيةٌ، وحرَّمَتْهُما آيةٌ، وما كنتُ لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلًا مِن أصحاب النبي - ﷺ - -قال ابن شهاب: أُراه علي بن أبي طالب-، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيءٌ، ثم وجدتُ أحدًا فعل ذلك؛ لجعلته نكالًا
عن علي بن أبي طالب -من طريق عمرو بن حُرَيث- قال: لكُلِّ عبد حَفَظةٌ يحفظونه، لا يَخِرُّ عليه حائطٌ، أو يَتَرَدّى في بئرٍ، أو تصيبه دابةٌ، حتى إذا جاء القَدَرُ الذي قُدِّر له خلَّت عنه الحَفَظَةُ، فأصابه ما شاء الله أن يصيبه. وفي لفظ لأبي داود: وليس مِن الناس أحدٌ إلا وقد وُكِّل به ملكٌ، فلا تريده دابةٌ ولا شيءٌ إلا قال: اتَّقِه، اتَّقِه. فإذا جاء القَدَر خُلِّي عنه
قال مقاتل بن سليمان: فأهلكهم الله صبيحةَ يوم الرابع يومَ السبت، فذلك قوله: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ يعني: قولنا في العذاب ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يعني: بنعمة عليهم مِنّا، ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ يعني: ونجَّيناهم مِن عذاب يومئذ، ﴿إنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ﴾ في نَصْرِ أوليائه، ﴿العَزِيزُ﴾ يعني: المنيع في مُلْكِه وسُلْطانِه حين أهلكهم
عن الحسن البصري -من طريق عبد الواحد بن زيد- في قوله: ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]، قال: أزِفَت –واللهِ- عقولُهم، وطارت قلوبُهم، فتردَّدَتْ في أجوافهم بالغُصص إلى حناجرهم لَمّا أُمِر بهم مَلَكٌ يسوقهم إلى النار، فيقول بعضهم لبعض: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾. فيُنادَوْن: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر:١٨]