قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة﴾ ابتلينا بعضًا ببعض، وذلك حين أسلم أبو ذرٍّ الغِفاري، وعبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، وصهيب، وبلال، وخبّاب بن الأرتِّ، وجبر مولى عامر بن الحضرمي، وسالم مولى أبي حذيفة، والنمر بن قاسط، وعامر بن فُهيرة، ومِهْجَع بن عبد الله، ونحوهم من الفقراء، فقال أبو جهل، وأمية، والوليد، وعقبة، وسهيل، والمستهزءون من قريش: انظروا إلى هؤلاء الذين اتَّبعوا محمدًا ﷺ من موالينا وأعواننا رذالة كل قبيلة! فازْدَرَوْهم، فقال الله -تبارك وتعالى- لهؤلاء الفقراء من العرب والموالي: ﴿أتصبرون﴾ على الأذى والاستهزاء؟ ﴿وكان ربك بصيرا﴾ أن تصبروا. فصبروا، ولم يجزعوا؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ على الأذى والاستهزاء مِن كفار قريش ﴿أنهم هم الفائزون﴾ [المؤمنون:١١١] يعني: الناجين مِن العذاب
عن أبي سعيد الخدري -من طريق علي بن عاصم، عن أبي هارون- أنّ رجلًا سأله: أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: لا أدري، حتى أسأل رسول الله ﷺ. فقال: «لا أدري، حتى أسأل جبريل. فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل. فسأل ميكائيل، فقال: لا أدري حتى أسأل الرفيع. فسأل الرفيع، فقال: لا أدري حتى أسأل إسرافيل. فسأل إسرافيل، فقال: لا أدري حتى أسأل ذا العزة. فنادى إسرافيل بصوته الأشد: يا ذا العزة، أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتم الأجلين وأطيبهما؛ عشر سنين». قال علي بن عاصم: فكان أبو هارون إذا حدث بهذا الحديث يقول: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، عن جبريل، عن ميكائيل، عن الرفيع، عن إسرافيل، عن ذي العزة -تبارك وتعالى-: أنّ موسى قضى أتمَّ الأجلين وأطيبه؛ عشر سنين
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: ما كان أبو لهب إلا مِن كفار قريش، ما هو حتى خرج من الشِّعب حين تمالأتْ قريش، حتى حُصرنا في الشِّعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشِّعب لقي هند ابنة عُتبة بن ربيعة حين فارق قومه، فقال: يا ابنة عُتبة، هل نصرتُ اللّات والعُزّى؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرًا، يا أبا عُتبة. قال: إنّ محمدًا يعِدُنا أشياء لا نراها كائنة، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يديّ؟! ثم نفخ في يديه، ثم قال: تبًّا لكما، ما أرى فيكما شيئًا مما يقول محمد. فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾. قال ابن عباس: فحُصرنا في الشِّعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا المِيرة، حتى إنّ الرجل مِنّا ليخرج بالنفقة فما يُبايع حتى يرجع، حتى هلك مِنّا من هلك
علَّق ابنُ عطية (٤/٣٥-٣٦ بتصرف) على هذا الحديث قائلًا: «ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادًا، وإنما أراد أبو واقد وغيرُه أن يشرع ذلك رسول الله ﷺ في الإسلام، فرأى رسولُ الله ﷺ أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره، وعلى هذا الذي قلتُ يقع التشابه الذي قَصَّه النبيُّ ﷺ وبين مقالة بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. فالظاهر أنّهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى، وفي جملة ما يُتَقَرَّب به إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنمًا نُفْرِده بالعبادة، ونكفر بربك. فعرَّفهم موسى أنّ هذا جهلٌ منهم؛ إذ سألوا أمرًا حرامًا فيه الإشراك في العبادة، ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل»
ذكر ابنُ عطية (٨/١٤٦) أن ما جاء في الأحاديث بأنّ النّحس هو يوم الأربعاء جعل بعضَ الناس يتأول أنه مستصحب في الزمن كلّه، وانتقده بقوله: «وهذا عندي ضعيف، وإن كان الدولابي أبو بشر قد ذكر حديثًا رواه أبو جعفر المنصور، عن أبيه محمد، عن أبيه علي، عن أبيه عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «آخر أربعاء من الشهر يوم نحْسٍ مستمرّ»». ثم قال: «ويوجد نحو هذا في كلام الفُرس والأعاجم، وقد وُجد ذِكر الأربعاء التي لا تدور في شعر لبعض الخُراسانيّين المولدين». وذكر (٥/٢١٦ ط: دار الكتب العلمية) أنّ النَّقاش نسب لجعفر بن محمد القول بأنه كان في أربعاء لا تدور، وأنه قال: كان القمر منحوسًا بزُحل. وانتقده، فقال: «وهذه نزعة سوء عياذًا بالله أن تصحّ عن جعفر بن محمد»
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيج- قال: أصاب الناسَ حزنٌ وغمٌّ على ما أصابهم في أصحابهم الذين قُتِلوا، فلمّا تولَّجُوا في الشِّعْبِ -وهم فَلٌّ مصابون- وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشِّعْبِ، فظن المؤمنون أنّهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضًا، فأصابهم حزَنٌ من ذلك أنساهم حزنهم في أصحابهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿فأثابكم غما بغم﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واستفتحوا﴾، يعني: دَعَوْا ربَّهم، واستنصروا، وذلك أنّ الرسل أنذروا قومهم العذاب في الدنيا، فردُّوا عليهم: إنّكم كَذَبَة. ثم قالوا: اللَّهُمَّ، إن كانت رسلُنا صادقين فعذِّبْنا. فذلك قوله تعالى: ﴿فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ [هود:٣٢]. فذلك قوله سبحانه: ﴿واستفتحوا﴾، يعني: مشركي مكة، وفيهم أبو جهل، يعني: ودَعَوْا ربَّهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا رآك الذين كفروا﴾ يعني: أبا جهل ﴿إن يتخذونك إلا هزوا﴾ استهزاء. وقال أبو جهل حين رأى النبيَّ ﷺ: ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ اللات والعزى ومناة بسوء. يقول الله عز وجل: ﴿وهم بذكر﴾ يعني: بتوحيد ﴿الرحمن هم كافرون﴾، وذلك أنّ أبا جهل قال: إنّ الرحمن مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذّاب
عن ابن عباس، قال: صَعدَ النبيُّ ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: «يا صباحاه». فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتُكم أنّ العدو يُصَبّحكم أو يُمَسّيكم، أما كنتم تصدقوني؟» قالوا: بلى. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾
عن سفيان بن عيينة -من طريق ابن أبي عمر- في قوله: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾، قال: كان أهلُ القرى مِن أهل اليمن لا ينسبون إلا إلى الأبوين، ثم يقولون: مِن مخلاف كذا وكذا. وكانت مضر قد عرفوا هذا النسب، فهم يتناسبون. فالشعوب: البطون، والقبائل في العرب: هي القبائل. قال سفيان: ليست في الأعاجم