سورة البقرة — الآية ٢٥١

قال مقاتل بن سليمان:... وطلب داودُ نصفَ مال طالوت، ونصفَ ملكه؛ فحَسَدَهُ طالوتُ على صنيعه، وأخرجه. فذهب داود حتّى نزل قريةً مِن قُرى بني إسرائيل، ونَدِم طالوتُ على صنيعه، فقال في نفسه: عمدت إلى خير أهل الأرض، بعثه الله عز وجل لقتل جالوت، فطردتُه، ولَمْ أفِ له. وكان داودُ عليه السلام أحبَّ إلى بني إسرائيل من طالوت، فانطلق في طلب داود، فطَرَقَ امرأةً ليلًا مِن قدماء بني إسرائيل تعلمُ اسمَ الله الأعظم وهي تبكي على داود، فضرب بابها، فقالت: مَن هذا؟ قال: أنا طالوت. فقالت: أنت أشقى الناسِ وأشرُّهم، هل تعلمُ ما صنعتَ؟! طردتَ داود النبيَّ ﷺ، وكان أمره مِن الله عز وجل، وكانت لك آيةٌ فيه مِن أمر الدرع، وصفة أشماويل، وظهوره على جالوت، وقتل الله عز وجل [به] أهلَ الأوثان فانهزموا، ثُمَّ غَدَرْتَ بداود وطَرَدتَه! هلكتَ، يا شَقِيُّ. فقال لها: إنّما أتيتُك لأسالكِ: ما توبتي؟ قالت: توبتُك أن تأتي مدينة بَلْقاءَ، فتقاتل أهلَها وحدك، فإن افْتَتَحْتَها فهي توبتُك. فانطلق طالوتُ، فقاتل أهل بَلْقاءَ وحده، فقُتِل. وعمدت بنو إسرائيل إلى داود عليه السلام، فرَدُّوه، ومَلَّكُوه، ولم يَجْتَمِعْ بنو إسرائيل لِمَلِكٍ قط غير داود عليه السلام، فكانوا اثني عشر سِبْطًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مَلِكٌ بينهم، فذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾

سورة الرعد — الآية ١٣

عن عبد الله بن عباس، قال: أقبلت يهودُ إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبَأْتَنا بِهِنَّ عرفنا أنّك نبيٌّ، واتَّبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيلُ على بنيه إذ قال: ﴿واللهُ على ما نقول وكيل﴾ [يوسف:٦٦]. قال: «هاتُوا». قالوا: أخبِرنا عن علامة النبيِّ؟ قال: «تنامُ عيناه، ولا ينامُ قلبُه». قالوا: أخبِرنا كيف تُؤْنِثُ المرأةُ، وكيف تُذْكِرُ؟ قال: «يَلْتَقِي الماءان، فإذا علا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ أذْكَرَتْ، وإذا علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجل آنَثَتْ». قالوا: أخبِرْنا عمّا حرَّم إسرائيلُ على نفسه؟ قال: «كان يَشْتكي عِرْقَ النَّسا، فلم يجدْ شيئًا يلائمُه إلا ألبان كذا وكذا -يعني: الإبلَ- فحرَّم لحومها». قالوا: صدقتَ. قالوا: أخبِرنا، ما هذا الرَّعْدُ؟ قال: «مَلَكٌ مِن ملائكة الله مُوكلٌ بالسحابِ، بيديه مِخراقٌ مِن نارٍ، يزجُرُ به السحابَ، يسُوقُه حيثُ أمره الله». قالوا: فماذا الصوتُ الذي نَسْمَعُ؟ قال: «صوتُه». قالوا: صَدْقتَ، إنّما بَقِيَتْ واحدةٌ، وهي التي نتابعُك إن أخبرتنا؛ إنّه ليس مِن نبيٍّ إلا له ملَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبِرنا مَن صاحبُك؟ قال: «جبريل». قالوا: جبريلُ! ذاك ينزِلُ بالحرب والقتال والعذاب، عدوُّنا! لو قلت: ميكائيلُ الذي ينزِلُ بالرحمة والنبات والمطر لكان. فأنزل الله: ﴿قل من كان عدوًا لجبريلَ﴾إلى آخر الآية [البقرة:٩٧]

سورة سبأ — الآية ١٦

قال عبد الله بن عباس، ووهب بن مُنَبِّه: كان هذا السُّدُّ يسقي جَنَّتَيْهم، وكان فيما ذُكِر بنَتْه بلقيس، وذلك أنّها لَمّا ملَكت جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم، فجعلت تنهاهم، فلا يطيعونها، فتركت مُلكها، وانطلقت إلى قصرٍ لها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتَوْها، فأرادوها على أن ترجع إلى مُلكها، فأبتْ، فقالوا: لترجِعِنَّ أو لنقتلنَّك. فقالت: إنكم لا تطيعونني، وليست لكم عقول. قالوا: فإنّا نطيعكِ، فإنا لم نجد فينا خيرًا بعدك. فجاءتْ، فأمرت بواديهم فسُدَّ بالعَرِم، -وهو المُسَنّاة، بلغة حمير-، فسدَّت ما بين الجبلين بالصخر والقار، وجعلت له أبوابًا ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنتْ مِن دونه بركة ضخمة، فجعلت فيها اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم، فلما جاء المطر اجتمع إليه ماء الشجر وأودية اليمن، فاحتبس السيل مِن وراء السد، فأمرتْ بالباب الأعلى ففُتِح، فجرى ماؤه في البِرْكة، وأمرت بالبَعر فأُلقي فيها، فجعل بعض البعر يخرج أسرع مِن بعض، فلم تزل تضيِّق تلك الأنهار وترسل البعر في الماء حتى خرجتْ جميعًا معًا، فكانت تَقْسمه بينهم على ذلك، حتى كان مِن شأنها وشأن سليمان ما كان، وبقَوا على ذلك بعدها، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الباب الأسفل، ولا ينفد الماء، حتى يؤوب الماء من السنة المقبلة. فلما طغَوا وكفروا سلّط الله عليهم جرذًا يسمى: الخلد، فنقب من أسفله، فغرَّق الماء جناتهم، وخرب أرضهم

سورة الفاتحة — الآية ٤

عن عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قُحوطَ المطر، فأمَر بمنبر، فوُضع له في المُصَلّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجبُ الشمس، فقعد على المنبر، فكَبَّر، وحَمِد الله، ثم قال: «إنكم شكوتم جَدْب دياركم، واسْتِئْخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم». ثم قال: ««الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ»، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت قوة وبلاغًا إلى حين»

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق عمران بن الحارث- قال: إنّ الشياطين كانوا يَسْتَرِقُون السمعَ من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حقٍّ كَذَب معها ألف كذبة، فَأُشْرِبَتْها قلوب الناس، واتخذوها دواوين، فأَطْلَع الله على ذلك سليمانَ بن داود، فأخذها، فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق، فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه المُمَنَّع! قالوا: نعم. فأخرجوه، فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية

سورة البقرة — الآية ٢٤٦

عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّما سألوا ذلك أنّهم كانوا في مدينةٍ لهم قد بارك الله لهم في مكانهم، لا يدخله عليهم عدوٌّ، ولا يحتاجون إلى غيره، ... فلما عَظُمَتْ أحداثُهم، وانتكهوا محارم الله عز وجل، وجارُوا في الحُكْمِ؛ نَزَل بهم عدوُّهم، فخرجوا إليهم، وأخرجوا التابوتَ -وكان يكون التابوت أمامهم في القتال-، فقدَّموا التابوت، فسُبِيَ التابوت، وكان عليهم ملِكًا يُقال له: إيلاف. فأُخْبِرَ الملِكُ أنّ التابوت قد سُبِي واسْتُلِب، فمالَتْ عُنُقُه، فمات كَمَدًا عليه، فمَرَجَتْ أمورهم، فظهر عدوُّهم، وأُصِيب من أبنائهم ونسائهم، فعند ذلك قالوا: ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾

سورة يوسف — الآية ١٠٦

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- يقول: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله﴾ الآية، قال: ليس أحدٌ يُعْبَد مع الله غيرُه إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أنّ اللهَ ربُّه، وأنّ الله خالقه ورازقه، وهو يُشْرِك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون* أنتم وآباؤكم الأقدمون* فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾؟ [الشعراء:٧٥-٧٧]. قد عرف أنّهم يعبدون ربَّ العالمين مع ما يعبدون. قال: فليس أحدٌ يُشْرِك به إلا وهو مُؤْمِن به، ألا ترى كيف كانت العرب تُلَبِّي، تقول: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك؟ المشركون كانوا يقولون هذا

سورة الرعد — الآية ١٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وهم يجادلون في الله﴾، يعني: يُخاصِمون في الله. وذلك أنّ عامرًا قال للنبي ﷺ: أخبِرني عن ربك؛ أهو مِن ذهب، أو من فضة، أو من نحاس، أو من حديد، أو ما هو؟ فهذا القول خصومته؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد﴾. يقول: ليس هو مِن نحاس، ولا مِن غيره. وسلَّط اللهُ عليه الطاعونَ في بيت امرأةٍ مِن بني سلول، فجعل يقول: عامر قتيل بغير سلاح، غُدَّة كغُدَّة البعير، وموت في بيت سلولية، ابرُز، يا ملَك الموت، حتى أقاتلك. فذلك قوله: ﴿وهو شديد المحال﴾

سورة الرعد — الآية ٢٩

قال مقاتل بن سليمان: قوله: ثم أخبر بثوابهم، فقال: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم﴾، يعني: حُسْنى لهم، وهي بلغة العرب. وطوبى: شجرة في الجنة، لو أنّ رجلًا ركب فَرَسًا أو نَجِيبَةً، وطاف على ساقها؛ لم يبلغ المكانَ الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، ولو أنّ طائرًا طار مِن ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، كلُّ ورقة منها تُظِلُّ أُمَّةً مِن الأمم، على كل ورقة منها مَلَك يذكر الله تعالى، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَتْ في الأرض لأضاءت الأرضَ نورًا كما تضيء الشمسُ، تحمل هذه الشجرة لهم ما يشاءون مِن ألوان الحُلِيِّ والثمار غير الشراب

سورة إبراهيم — الآية ٢٧

قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم، فقال سبحانه: ﴿يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت﴾ وهو التوحيد ﴿في الحياة الدنيا﴾، ثُمَّ قال: ﴿و﴾يثبتهم ﴿في الآخرة﴾ يعني: في قبره، في أمر مُنكَر ونكير بالتوحيد، وذلك أنّ المؤمن يدخل عليه مَلَكان: أحدهما منكر، والآخر نكير، فيُجْلِسانه في القبر، فيسألانه: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن رسولك؟ فيقول: ربي الله عز وجل، وديني الإسلام، ومحمد ﷺ رسولي. فيقولان له: وُقِيتَ، وهُدِيتَ. ثم يقولان: اللَّهُمَّ، إنّ عبدك أرضاك؛ فأَرْضِه. فذلك قوله سبحانه: ﴿وفي الآخرة﴾ أي: يُثَبِّتُ الله قول الذين ءامنوا