قال يحيى بن سلّام: وبلغنا: أنّ يونس دعا قومَه زمانًا إلى الله عز وجل، فلمّا طال ذلك وأَبَوْا أوحى الله إليه أنّ العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلمّا دنا الوقتُ تَنَحّى عنهم، فلما كان قبل الوقت بيوم جاء، فجعل يطوف بالمدينة، وهو يبكي، ويقول: غدًا يأتيكم العذاب. فسمعه رجل منهم، فانطلق إلى الملِك، فأخبره أنّه سمع يونس يبكي، ويقول: غدًا يأتيكم العذاب. فلمّا سمع ذلك الملِك دعا قومَه، فأخبرهم بذلك، وقال: إن كان هذا حقًا فسيأتيكم العذاب غدًا، فاجتمعوا حتى ننظر في أمرنا. فاجتمعوا، فخرجوا مِن المدينة مِن الغد، فنظروا، فإذا بظُلْمَةٍ وريحٍ شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنّه الحق، ففرَّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا الرماد والتراب على رءوسهم تواضعًا لله، وتَضَرَّعوا إليه، وبكوا، وآمنوا؛ فصرف الله عنهم العذاب. واشترط بعضُهم على بعض ألا يكذب منهم أحدٌ كذبة إلا قطعوا لسانه، فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخِلون وخارجون، فقال: أمرني ربي أن أخبر قومي أنّ العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم؟ فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة في البحر، فأشار إليهم، فأتوه، فحملوه، ولا يعرفونه، فانطلق إلى ناحية من السفينة، فتقنَّع ورقد، فما مضى إلا قليلًا حتى جاءتهم ريحٌ كادت تُغرِق السفينة، فاجتمع أهلُ السفينة، فدعوا الله، ثم قالوا: أيقظوا الرجلَ يدعو الله معنا. ففعلوا، فدعا اللهَ معهم، فرفع الله -تبارك وتعالى- عنهم تلك الريح، ثم انطلق إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، ودعوا الله، فارتفعت الريح، ثم انطلق إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، ودعوا الله، فارتفعت، فتَفَكَّر العبدُ الصالح يونس، فقال: هذا مِن خطيئتي. أو قال: مِن ذنبي أو. كما قال. فقال لأهل السفينة: شدوني وثاقًا، وألقوني في البحر. فقالوا: ما كُنّا لنفعل وحالُك حالك، ولكنّا نقترع، فمَن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا، فأصابته القرعة، فقال: قد أخبرتُكم. فقالوا: ما كُنّا لِنفعل، ولكن اقترعوا الثانية. فاقترعوا، فأصابته القرعة، ثم اقترعوا الثالثة، فأصابته القرعة، وهو قوله عز وجل: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات:١٤١]، أي: مِن المقروعين، ويُقال: مِن المسهومين، يعني: أنّه وقع السهم عليه. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسَه في البحر، فإذا هو بحوتٍ فاتحٍ فاه، ثم انطلق إلى ذَنَب السفينة، فإذا هو بالحوت فاتحٍ فاه، ثم جاء إلى جانب السفينة، فإذا هو بالحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى الجانب الآخر، فإذا هو بالحوت فاتحٍ فاه، فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فأوحى الله -تبارك وتعالى- إلى الحوت: إنِّي لم أجعله لك رِزقًا، ولكن جعلت بطنَك له سِجنًا. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق بعض أهل العلم-: أن داود حين دخل محرابه ذلك اليوم قال: لا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ محرابي اليومَ أحدٌ حتى الليل، ولا يشغلني شيء عما خلوتُ له حتى أمسي. ودخل محرابه، ونشر زبوره يقرؤه، وفي المحراب كُوَّة تُطْلِعه على تلك الجُنينة، فبينا هو جالس يقرأ زبوره إذ أقبلت حمامة من ذهب، حتى وقعت في الكُوَّة، فرفع رأسه، فرآها، فأعجبته، ثم ذكر ما كان قال: لا يشغله شيء عما دخل له، فنكَّس رأسه، وأقبل على زبوره، فتصوَّبت الحمامة للبلاء والاختبار مِن الكُوَّة، فوقعت بين يديه، فتناولها بيده، فاستأخرت غير بعيد، فاتبعها، فنهضت إلى الكُوَّة، فتناولها في الكُوَّة، فتصوّبت إلى الجنينة، فأتبعها بصرَه أين تقع، فإذا المرأة جالسة تغتسل بهيئة اللهُ أعلم بها في الجمال والحُسن والخلْق، فيزعمون أنها لما رأته نقضت رأسها، فوارتْ به جسدها منه، واختطفت قلبه، ورجع إلى زبوره ومجلسه، وهي مِن شأنه، لا يفارق قلبُه ذِكرها، وتمادى به البلاء حتى أغزى زوجَها، ثم أمر صاحب جيشه -فيما يزعم أهلُ الكتاب- أن يُقدِّم زوجها للمهالك، حتى أصابه بعضُ ما أراد به مِن الهلاك، ولداود تسع وتسعون امرأة، فلما أصيب زوجُها خطبها داود، فنكحها، فبعث اللهُ إليه وهو في محرابه مَلَكين يختصمان إليه، مثلًا يضربه له ولصاحبه، فلم يُرَعْ داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ما أدخلكما عَلَيَّ؟ قالا: لا تخف، لم ندخل لبأس ولا لريبة، ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ فجئناك لتقضي بيننا، ﴿فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ أي: احملنا على الحق، ولا تخالف بنا إلى غيره. قال الملَك الذي يتكلم عن أوريا بن حنانيا زوج المرأة: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ أي: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أي: احملني عليها، ثم ﴿وعَزَّنِي فِي الخِطابِ﴾ أي: قهرني في الخطاب، وكان أقوى مِنِّي هو وأَعَزّ، فحاز نعجتي إلى نعاجه، وتركني لا شيء لي. فغضب داود، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم، فقال: لئن كان صدقني ما يقول لأضربنَّ بين عينيك بالفأس. ثم ارعوى داود، فعرف أنه هو الذي يُراد بما صنع في امرأة أوريا، فوقع ساجدًا تائبًا مُنيبًا باكيًا، فسجد أربعين صباحًا صائمًا لا يأكل فيها ولا يشرب، حتى أنبت دمعُه الخَضِر تحت وجهه، وحتى أندب السجودُ في لحم وجهه، فتاب الله عليه، وقَبِل منه. ويزعمون أنّه قال: أي رب، هذا غفرتَ ما جنيتُ في شأن المرأة، فكيف بدم القتيل المظلوم؟ قيل له: يا داود -فيما زعم أهل الكتاب-، أما إنّ ربك لم يظلمه بدمه، ولكنه سيسأله إيّاك فيعطيه، فيضعه عنك. فلما فُرِّج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفه اليمنى؛ بطن راحته، فما رفع إلى فيه طعامًا ولا شرابًا قطُّ إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس قطُّ إلا نشر راحته، فاستقبل بها الناسَ ليروا رسم خطيئته في يده
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا:لَمّا قال الله لآدم: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعه الخَزَنَةُ، فأتى الحيَّة -وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب- فكلمها أن تدخله في فُقْمها -قال أبو جعفر: والفُقْم: جانب الشِّدْق- حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فُقْمِها، فمَرَّت الحَيَّة على الخَزَنة، فدخلت ولا يعلمون؛ لِما أراد الله من الأمر، فكَلَّمه من فُقْمِها، فلم يبال بكلامه، فخرج إليه، فقال: ﴿يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه: ١٢٠]. يقول: هل أدُلُّك على شجرة إن أكلت منها كنتَ مَلِكًا مثل الله - عز وجل -، أو تكونا من الخالِدَين فلا تموتان أبدًا. وحلف لهما بالله: ﴿إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]، وإنّما أراد بذلك ليبدي لهما ما توارى عنهما من سَوْآتهما؛ بهَتْك لباسهما، وكان قد علم أنّ لهما سَوْأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظُّفُر، فأبى آدم أن يأكل منها، فقعدت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم، كل، فإنِّي قد أكلت فلم يَضُرَّ بي. فلَمّا أكل ﴿بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾
عن أبي مالك [غزوان الغفاري] -من طريق السُّدِّيِّ- في الآية، قال: كانت قريةٌ يُقال لها: داوَرْدانُ. قريب من واسِط، فوقع فيهم الطاعون، فأقامت طائفة، وهربت طائفة، فوقع الموت في مَن أقام، وسلِم الذين أجْلَوْا، فلمّا ارتفع الطاعونُ رجعوا إليهم، فقال الذين بقُوا: إخوانُنا كانوا أحزمَ منا، لو صنَعْنا كما صنعوا سلِمْنا، ولئِن بقِينا إلى أن يَقَعَ الطاعونُ لَنَصْنَعَنَّ كما صنعوا. فوقع الطاعونُ من قابِلٍ، فخرجوا جميعًا؛ الذين كانوا أجْلَوْا، والذين كانوا أقاموا، وهم بضعةٌ وثلاثون ألفًا، فساروا حتى أتَوْا واديًا فَيْحًا، فنزلوا فيه، وهو بين جبلين، فبعث الله إليهم مَلَكَيْن؛ مَلَكًا بأعلى الوادي، وملكًا بأسفله، فناداهم: أن مُوتوا. فماتوا، فمكَثوا ما شاء الله، ثم مرَّ بهم نبيٌّ يقال له: حِزْقِيلُ. فرأى تلك العظام، فوقف مُتَعَجِّبًا لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله إليه أن نادِ: أيَّتُها العظام، إنّ الله أمركِ أن تجتمعي. فاجتمعتِ العظامُ من أعلى الوادي وأدناه، حتى التَزَقَ بعضُها ببعض، كلُّ عظمٍ من جَسَدٍ التَزَقَ بجسده، فصارت أجسادًا من عظام، لا لحم ولا دم، ثم أوحى اللهُ إليه أن نادِ: أيَّتُها العظام، إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحمًا. فاكتست لحمًا، ثم أوحى الله إليه أن نادِ: أيَّتُها الأجسادُ، إنّ الله يأمرك أن تقومي. فبُعِثوا أحياء، فرجعوا إلى بلادهم، فأقاموا لا يلبسون ثوبًا إلا كان عليهم كفنًا دَسِمًا، يعرفهم أهل ذلك الزمان أنهم قد ماتوا، ثم أقاموا حتى أتت عليهم آجالهم بعد ذلك
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: لما كان شأنُ بني قريظة بَعَث إليهم النبي ﷺ عَلِيًّا فيمن كان عنده من الناس، فلما انتهى إليهم وقَعوا في رسول الله ﷺ، وجاء جبريل إلى رسول الله ﷺ على فرسٍ أبْلَقَ، فقالت عائشة: فلكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يَمْسَح الغُبار عن وجه جبريل، فقلتُ: هذا دِحْيةُ، يا رسول الله؟ قال: «هذا جبريل». فقال: يا رسول الله، ما يمنعُك من بني قريظة أن تأتيَهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «فكيف لي بحصْنهم؟». فقال جبريل: إني أُدخِلُ فرسي هذا عليهم. فركِب رسول الله ﷺ فرسًا مُعْرَوْرًى، فلما رآه عَلِيٌّ قال: يا رسول الله، لا عليك ألا تأتيَهم فإنهم يشتُمونك. فقال: «كلا، إنها ستكون تَحِيَّة». فأتاهم النبي ﷺ، فقال: «يا إخوةَ القردة والخنازير». فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ فحّاشًا. فقالوا: لا ننزِل على حُكْم محمد، ولكنّا ننزِل على حكم سعد بن معاذ. فنزَلَ، فحَكَم فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلتُهم، وتُسْبى ذراريُّهم. فقال رسول الله ﷺ: «بذلك طَرَقَني المَلَكُ سَحَرًا». فنزل فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾. نزلت في أبي لُبابة، أشار إلى بني قريظة حين قالوا: ننزِل على حكم سعد بن معاذ: لا تفعلوا، فإنّه الذبح. وأشار بيده إلى حَلْقِه
عن سعيد بن جبير، ومقاتل -من طريق إسحاق بن بشر- قالا: إنّ أولَ مَنِ اتَّخذ المنجنيقنمروذ، وذلك أنّ إبليس جاءهم لَمّا لم يستطيعوا أن يَدْنوا مِن النار، قال: أنا أدُلُّكم. فأخذ لهم المنجنيق، وجيء بإبراهيم، فخلعوا ثيابه، وشدُّوا قِماطَه، فوُضِع في المنجنيق، فبَكَتِ السمواتُ والأرضُ والجبالُ والشمسُ والقمرُ والعرشُ والكرسيُّ والسحابُ والريحُ والملائكةُ، كلٌّ يقول: يا ربِّ، إبراهيمُ عبدك بالنار يُحْرَق؛ فأْذَنْ لنا في نُصْرَتِهِ. فقالت النارُ، وبَكَتْ: يا ربِّ، سخرتني لبني آدم، وعبدك يُحْرَقُ بي! فأوحى إليهم: إنّ عبدي إيّاي عَبَدَ، وفي حُبِّي أُوذِي، إن دعاني أجبتُه، وإن استنصركم انصروه. فلمّا رُمِيَ استقبله جبريلُ بين المنجنيق والنار، فقال: السلام عليك، يا إبراهيم، أنا جبريلُ، ألك حاجةٌ؟ فقال: أمّا إليك فلا حاجة، حاجتي إلى الله ربي. فلمّا أن قُذِفَ سبقه إسرافيل؛ فسلَّط النارَ على قماطه، وقال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾. فلو لم يُخْلَط بالسلام [لَكَزَّ] فيها بردًا، ودخل جبريل، وأنبت الله حوله روضةً خضراء، وبسط له بساط مِن دُرِّ الجنة، وأُتِي بقميص مِن حُلَلِ جنَّة عدن، فأُلْبِس، وأُجْرِي عليه الرِّزْقُ غُدْوَةً وعَشاءً، إسرافيل عن يمينه، وجبريل عن يساره، حتى رأى الملِكُ الرؤيا، ورأى الناسُ الرؤيا، فأكثروا القول فيه
عن أنس بن مالك، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ داود حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل بعْثًا، وأوصى صاحبَ الجيش، فقال: إذا حضر العدوُّ فقرِّب فلانًا بين يدي التابوت. وكان التابوتُ في ذلك الزمان يُسْتَنصَر به، مَن قُدِّم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يُقتل، أو ينهزم منه الجيش، فقُتل، وتزوَّج المرأة، ونزل الملَكان على داود يقصّان عليه قصته، ففطن داود، فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدًا، حتى نبت الزرع مِن دموعه على رأسه، وأكلتِ الأرضُ جبينه، وهو يقول في سجوده: ربِّ، زلَّ داودُ زَلَّةً أبعدَ مِمّا بين المشرق والمغرب، ربِّ، إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنوبه جعلتَ ذنبه حديثًا في الخُلُوف من بعده. فجاء جبريل مِن بعد أربعين ليلة، فقال: يا داود، إنّ الله قد غفر لك، وقد عرفتَ أنّ الله عدلٌ لا يميل. قال داود: فكيف بفلانٍ إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا ربِّ، دمي الذي عند داود! قال جبريل: ما سألتُ ربَّك عن ذلك، فإن شئتَ لأفعلنَّ. فقال: نعم. ففرح جبريل، وسجد داود، فمكث ما شاء الله، ثم نزل، فقال: قد سألتُ اللهَ -يا داود- عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود: إنّ الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول: هبْ لي دمَك الذي عند داود. فيقول: هو لكَ، يا ربِّ. فيقول: فإن لك في الجنة ما شئتَ وما اشتهيت عِوَضًا»
عن عبد الله بن عباس -من طريق خليفة-: أنّ داود حدَّث نفسه: إن ابتُلي أن يعتصم. فقيل له: إنك ستُبتلى، وستعلم اليومَ الذي تُبتَلى فيه، فخذ حِذْرَك. فقيل له: هذا اليوم الذي تُبتَلى فيه. فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأخذ الزبور في حِجره، وأقعد مِنصَفًا على الباب، وقال: لا تأذن لأحد عَلَيَّ اليومَ. فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مُذهَّب كأحسن ما يكون الطير، فيه مِن كل لون، فجعل يَدرُج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فاستوفزه من خلفه، فأطبق الزبور، وقام ليأخذه، فطار فوقع على كُوَّة المحراب، فدنا منه ليأخذه، فأقض، فوقع على حصن، فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأةٍ عند بِرْكتها تغتسل من الحيض، فلمّا رأت ظِلَّه حرَّكت رأسها، فغطَّت جسدها أجمعَ بشعرها، وكان زوجُها غازيًا في سبيل الله، فكتب داودُ إلى رأس الغزاة: انظر أوريا، فاجعله في حَمَلة التابوت. وكان حَمَلةُ التابوت إما أن يُفتح عليهم، وإما أن يُقتلوا، فقدَّمه في حملة التابوت، فقُتل، فلما انقضت عِدُّتها خطبها داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلامًا أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل، وكتبتْ عليه بذلك كتابًا، فما شعر بفتنته أنه فُتن حتى ولدت سليمان وشبَّ، فتسوَّر عليه الملكان المحراب، فكان شأنهما ما قصَّ الله في كتابه، وخرَّ داود ساجدًا، فغفر الله له، وتاب عليه
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾، قال: حَسَمتْهم؛ لم تُبقِ منهم أحدًا. قال: ذلك الحُسُوم، مثل الذي يقول: احْسِم هذا الأمر. قال: وكان فيهم ثمانية لهم خَلْقٌ يَذهب بهم في كلّ مَذهب. قال: قال موسى بن عُقبة: فلما جاءهم العذاب قالوا: قُوموا بنا نَردّ هذا العذاب عن قومنا. قال: فقاموا، وصَفُّوا في الوادي، فأوحى اللهُ إلى مَلِك الريح أن يَقلع منهم كلَّ يوم واحدًا. وقرأ قول الله: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ حتى بلغ: ﴿نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾. قال: فإن كانت الريح لَتَمُرّ بالظَّعينة، فتَسْتَدْبرها وحُمولتها، ثم تَذهب بهم في السماء، ثم تَكُبّهم على الرؤوس. وقرأ قول الله: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قال: وكان أمسك عنهم المطر. فقرأ حتى بلغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف:٢٤، ٢٥]. قال: وما كانت الريح تَقلع من أولئك الثمانية كلّ يوم إلا واحدًا. قال: فلمّا عَذّب الله قوم عاد أبقى الله واحدًا يُنذِر الناس. قال: فكانت امرأةُ قد رَأتْ قومها، فقالوا لها: أنتِ أيضًا. قالت: تَنحّيتُ على الجبل. قال: وقيل لها بعدُ: أنتِ قد سَلمتِ وقد رأيتِ، فكيف لا رأيتِ عذاب الله؟ قالت: ما أدري غير أنّ أسْلَم ليلةٍ ليلةَ لا ريح
عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ علّمه دعاء، وأَمَره أن يَتعاهده، ويَتعاهد به أهله كلّ يوم، قال: «قُلْ حين تُصبح: لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك وسَعْدَيْك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم، ما قلتُ من قول أو حَلفتُ من حَلِف أو نَذرتُ من نَذْر فمشيئتك بين يدي ذلك، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، لا حَوْل ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم، ما صلَّيتُ من صلاة فعلى مَن صَلَّيتَ، وما لعنتُ من لعْنٍ فعلى مَن لَعنتَ، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، تَوفّني مُسلمًا وأَلْحقني بالصالحين، أسألك -اللهم- الرضا بعد القضاء، وبَرْد العَيْش بعد الموت، ولذّة النّظر إلى وجهك، وشَوقًا إلى لقائك، من غير ضراءَ مُضِرّة، ولا فتنةٍ مُضِلّة، أعوذ بك أنْ أظلِم أو أُظلَم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكسِب خطيئة أو ذنبًا لا تَغفره، اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشهدك -وكفى بك شهيدًا- أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك المُلك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أنّ وعدك حقٌّ، ولقاءك حقٌّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنتَ تَبعث مَن في القبور، وأشهد أنك إن تَكِلني إلى نفسي تَكِلني إلى وهنٍ وعوْرة وذنبٍ وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كلّه، إنه لا يَغفر الذّنوب إلا أنت، وتُب عليّ إنك أنت التواب الرحيم»