سورة الحجرات — الآية ١٢

عن زيد بن أسلم: أنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة، ومعه عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنهما يعسّان، إذ شبّ لهما نار، فأتيا الباب، واستأذنا، ففُتح الباب، فدخلا، فإذا رجل وامرأةٌ تغنّي، وعلى يد الرجل قَدَحٌ، فقال عمر للرجل: وأنتَ بهذا، يا فلان؟! فقال: وأنتَ بهذا، يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: فمَن هذه منك؟ قال: امرأتي. قال: وما في القَدَح؟ قال: ماء زُلال. فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه وأرّقني ألّا حبيب ألاعبه فوالله لولا خشية الله والتقى لزعزع من هذا السرير جوانبه ولكن عقلي والحياء يكفّني وأكرم بَعْلي أن تُنال مَراكبه ثمّ قال الرجل: ما بهذا أُمرنا، يا أمير المؤمنين؛ قال الله: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾. فقال عمر: صدقت. وانصرف

سورة الحشر — الآية ١٦

عن عبد الله بن مسعود -من طريق عبد الرحمن بن زيد- في هذه الآية، قال: كانت امرأةٌ ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تَأوي بالليل إلى صَوْمَعة راهب، فنزل الرّاهب، ففَجر بها، فأتاه الشيطان، فقال له: اقتُلها، ثم ادفنها، فإنك رجل مُصدَّق يُسمع قولك. فقتَلها، ثم دفنَها، فأتى الشيطانُ إخوتَها في المنام، فقال لهم: إنّ الرّاهب فجَر بأُخْتكم، فلما أحبَلها قتَلها، ثم دفنَها في مكان كذا وكذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم: لقد رأيتُ البارحة كذا وكذا. فقال الآخر: وأنا -واللهِ- لقد رأيتُ ذلك. فقال الآخر: وأنا -واللهِ- لقد رأيتُ ذلك. قالوا: فواللهِ، ما هذا إلا لشيء. فانطلَقوا، فاستَعْدَوا مَلِكهم على ذلك الرّاهب، فأتَوه، فأنزلوه، ثم انطلَقوا به، فلَقيه الشيطان، فقال: إنّي أنا الذي أوقعتُك في هذا، ولن يُنجِيَك منه غيري، فاسجد لي سجدةً واحدةً، وأُنجِيك مما أوقعتك فيه، فسجد له، فلما أتَوا به ملِكهم تبرّأ منه، وأُخذ فقُتل

لم يذكر ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥٢٢-٥٣١) غير قول ابن زيد، وقول ابن مسعود. وبيّن ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٧٢-٢٧٤): «أنّ الشُّح: هو شدة حرص النفس، وقوة الرغبة في المال، وبغضٌ للغير، وظلم له، وأنه أعمّ من البُخل، فكل شحيح بخيل، وليس كل بخيل شحيحًا». وانتقد قولَ مَن سوّى بينهما. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢٦٨) أنّ «شُحّ النفس» هو: كثرة منْعها، وضبطها على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل. ثم بيّن أنّ هذا جِماع شُحّ النفس، وأنه داعية كلّ خُلُقٍ سُوء، وساق الحديث الوارد في الآثار المتعلقة بالآية عن أنس، ثم علَّق قائلًا: «واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا، وعلى هذا التأويل كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف ويقول: اللهم، قِني شُحّ نفسي. لا يزيد على ذلك، فقيل له في ذلك فقال: إذا وُقيته لم أفعل سوءًا». وساق بعد ذلك قول ابن زيد

سورة التوبة — الآية ١٢٩

عن زيد بن ثابت -من طريق ابن السَّبّاقِ- قال: أرسل إلَيَّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قدِ اسْتَحَرَّ يومَ اليمامة بالناس، وإنِّي أخشى أن يَسْتَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعله رسولُ الله ﷺ؟! فقال عمر: هو -واللهِ- خيرٌ. فلَمْ يزل عمرُ يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذى رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر جالسٌ عنده لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهمك، كنت تكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ؛ فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ. فواللهِ، لو كلَّفونى نقل جَبَل مِن الجبال ما كان أثقل عَلَيَّ مما أمرانى به مِن جمع القرآن، قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! فقال أبو بكر: هو -واللهِ- خير. فلم أزل أُراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ، فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعه مِن الرِّقاع، والأكتاف، والعُسُب، وصدور الرجال، حتى وجدتُ مِن سورة التوبة آيتين معَ خزيمة بن ثابت الأنصارى، لم أجدهما معَ أحدٍ غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التى جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر

سورة البقرة — الآية ٣٦

قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- في ذلك: الله أعلم، أكَما قال ابن عباس وأهل التوراة، أم أنه خَلَص إلى آدم وزوجته بسُلْطانه الذي جعل الله له؛ ليبتلي به آدم وذريته؟ وأنه يأتي ابن آدم في نومته، وفي يقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾، ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. وقد قال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ [الناس:١-٢] إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُوِيت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدَّم». ثم قال ابنُ إسحاق: وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله كأمره فيما بينه وبين آدم، فقال الله: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف:١٣]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كَلَّمَهما، كما قَصَّ الله علينا من خبرهما، قال: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، فتابا إلى ربهما

سورة البقرة — الآية ٣٧

عن عليٍّ، قال: سألتُ النبي ﷺ عن قول الله: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾. فقال: «إنّ الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجُدَّة، وإبليس بمَيْسانَ، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكيًا على خطيئته، حتّى بعث الله إليه جبريل، وقال: يا آدم، ألم أخلقك بيدي؟! ألم أنفخ فيك من روحي؟! ألم أُسْجِد لك ملائكتي؟! ألم أزوجك حوّاء أمَتِي؟! قال: بلى. قال: فما هذا البكاء؟! قال: وما يمنعني من البكاء، وقد أُخْرِجتُ من جِوار الرحمن؟ قال: فعليك بهؤلاء الكلمات؛ فإنّ الله قابلٌ توبتَك، وغافرٌ ذنبَك، قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملتُ سوءًا، وظلمتُ نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحقِّ محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم. فهؤلاء الكلمات التي تَلَقّى آدم»

سورة البقرة — الآية ٢٠١

عن جابر بن عبد الله: أنَّ فتًى من الأنصار يُقال له: ثَعْلَبَة بن عبد الرحمن، وكان يَحِفُّ للنبي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وإنّ رسول الله صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بعثه في حاجَةٍ، فَمَرَّ بباب رجل من الأنصار، فرأى امرأة الأنصاريِّ تَغْتَسِل، فكَرَّرَ النَّظَر، وخاف الوحي على النبي صلى الله علَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -في حديث طويل-، وفيه: أنّه انطلق هائِمًا على وجهه بين الجبال، فأرسل إليه الرسول ﷺ عمر وسلمان، فأَتَيا به، فقال له النبي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا ثَعْلَبَةُ، ما غَيَّبَكَ عَنِّي؟». فقال: ذَنبِي، يا رسول الله. فقال: «أدُلُّكَ على آيةٍ تَمْحُو الذُّنوب والخطايا؟». قال: بلى. قال: «قُلْ: ﴿ربنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]». قال: ذَنبِي -يا رسول الله- أعْظَمُ. قال له النبي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بَلْ كلام الله أعظم». فأمره النبيُّ بالانصراف إلى منزله، ... إلخ، في قصة طويلة

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: نزَلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فلم يزالوا بذلك يشرَبونها، حتى صنَع عبدُ الرحمن بن عوف طعامًا، فدَعا ناسًا فيهم عليُّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، فلم يَفهَمها، فأنزَل اللهُ يشدِّدُ في الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. فكانت حلالًا، يشرَبونها من صلاة الغداة حتى يرتفعَ النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يصلُّوا العَتَمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صَحَوا، فلم يزالُوا بذلك يشرَبونها، حتى صنَع سعدُ بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا فيهم رجلٌ من الأنصار، فشوى لهم رأسَ بعير، ثم دعاهم عليه، فلما أكَلوا وشرِبوا من الخمر سكِروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعدٌ بشيءٍ، فغَضِب الأنصاريُّ، فرفَع لَحْيَ البعير، فكسَر أنفَ سعد؛ فأنزَل الله نسخَ الخمر وتحريمها: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾

سورة الكهف — الآية ٤٦

عن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله، حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القَنِي عند زاوية القبر؛ فإنّ لي إليك حاجة. قال: فالتقيا، فسلَّم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعُدُّ الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال له سالم: متى جعلت فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: ما زلتُ أجعلُها. قال: فراجعه مرتين أو ثلاثًا، فلم ينزع، قال: فأَثْبِتْ. قال سالم: أجل، فأُثْبِتُ، فإنّ أبا أيوب الأنصاري حدثني أنّه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: «عُرج بي إلى السماء، فأريت إبراهيم، فقال: يا جبريل، مَن هذا معك؟ فقال: محمد. فرحَّب بي وسهَّل، ثم قال: مُرْ أمتك فلتكثر مِن غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله»

سورة ص — الآية ٤٤

عن عبد الرحمن بن جبير -من طريق صفوان- قال: ابتُلِي أيوبُ بماله وولده وجسده، حتى طُرِح في المزبلة، جعلت امرأته تخرج تكسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان على ذلك، فكان يأتي أصحابَ الخبز والشاء الذين كانوا يتصدقون عليها، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم؛ فإنها تعالج صاحبَها، وتلمسه بيدها، فالناس يتقذَّرون طعامَكم مِن أجلها، إنها تأتيكم وتغشاكم. فجعلوا لا يدنونها منهم، ويقولون: تباعدي عَنّا، ونحن نطعمك ولا تقربينا. فأخبرت بذلك أيوب، فحمد الله على ذلك، وكان يلقاها إذا خرجت كالمتحزِّن بما لقي أيوب، فيقول: لَجَّ صاحبُك، وأبى إلا ما أتى، واللهِ، لو تكلم بكلمة واحدة لكُشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده. فتجيء فتخبر أيوب، فيقول لها: لقيك عدوُّ الله فلقّاك هذا الكلام! لئن أقامني اللهُ مِن مرضي لأجلدنك مائة. فلذلك قال الله تعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾. يعني بالضِّغث: القبضة مِن المكانس