ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٣٣) في «ما» من قوله: ﴿وما عملته أيديهم﴾ ثلاثة أوجه، فقال: «و»ما«التي في قوله: ‹وما عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ› [كذا، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم] في موضع خفض عطفًا على الثمر، بمعنى: ومن الذي عملت أيديهم، وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر: (ومِمّا عَمِلَتْهُ) بالهاء على هذا المعنى؛ فالهاء في قراءتنا مضمرة، لأن العرب تضمرها أحيانًا، وتظهرها في صلات: من، وما، والذي. ولو قيل:»ما«بمعنى المصدر كان مذهبًا، فيكون معنى الكلام: ومن عمل أيديهم. ولو قيل: إنها بمعنى الجحد، ولا موضع لها؛ كان أيضًا مذهبًا، فيكون معنى الكلام: ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله أيديهم». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٢٤٨)
اختُلف في هذا الرجل المؤمن على قولين:الأول: «أنه كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِّرُّ إيمانَه من فرعون وقومه خوفًا على نفسه، وعليه يكون الوقف على قوله: ﴿من آل فرعون﴾؛ لأن ذلك خبر متناهٍ قد تمّ، و﴿يَكْتُمُ﴾ في موضع الصفة دون تقديم وتأخير». ذكره ابنُ جرير (٢٠/٣١١)، وكذا ابنُ عطية (٧/٤٣٦). الثاني: «أنه كان إسرائيليًّا، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون». ذكره ابنُ جرير، وابنُ عطية، وعليه يكون الوقف على قوله: ﴿يكتم إيمانه﴾؛ لأن قوله: ﴿من آل فرعون﴾ صلة لقوله: ﴿يكتم إيمانه﴾، فتمامه قوله: ﴿يكتم إيمانه﴾، ويكون المعنى: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون. ففي الكلام تقديم وتأخير. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٣١٢) القول الأول، وانتقد الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية؛ «لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه، وكفّ عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيليًّا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم». وكذا ابنُ عطية (٧/٤٣٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «والأولُ أصح، ولم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتكلم بمثل هذا عند فرعون». ثم ساق احتمالًا آخر فقال: ""ويُحتمل أن يكون من غير القبط، ويقال فيه: من آل فرعون، إذ كان في الظاهر على دينه ومن أتباعه، وهذا كما قال أراكةُ الثقفيّ يرثي أخاه ويتعزّى برسول الله ﷺ:فلا تبك ميتًا بعد ميت أجنَّه علي وعباس وآل أبي بكر. يعني: المسلمين؛ إذ كانوا في طاعة أبي بكر رضي الله عنه""
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق ابن ثَوْر- وذكر قصة الذين استجابوا لله، قال: فهم أيضًا الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. قال: لما تولى أبو سفيان يوم أحد مُعَقِّبًا قال: موعدكم بدرًا العام القابل. فلما كان ذلك الموعد عهد النبي عليه السلام وأصحابه بدرًا، فجعلوا يلقون المشركين، فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد امتلأت بدر أناسًا قد جمعوا لكم. فكَذَبُوهم، يريدون يرعبونهم بذلك، ويرهبونهم بذلك، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل. حتى قدم النبي عليه السلام بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية ليس ينازعهم فيها أحدًا، وكانت لها أسواق كأسواق مَجِنَّة وذي المجاز
عن غالب القَطّان، قال: أتيتُ الكوفةَ في تجارة، فنزلت قريبًا مِن الأعمش، فلما كان ليلةَ أردتُ أنْ أنْحَدِرَ قام فتَهَجَّد مِن الليل، فمرَّ بهذه الآية: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ إلى قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، فقال: وأنا أشهدُ بما شهد الله به، وأستودع اللهَ هذه الشهادةَ، وهي لي وديعةٌ عند الله. قالها مِرارًا، فقلت: لقد سمع فيها شيئًا، فسألتُه، فقال: حدّثني أبو وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول اللهُ: عبدي عَهِد إلَيَّ، وأنا أحَقُّ مَن وفّى بالعَهْدِ؛ أدْخِلُوا عبدي الجنة»
عن الأزرق بن قيس، قال: جاء أُسْقُفُّ نجران والعاقبُ إلى رسول الله ﷺ، فعرَض عليهما الإسلام، فقالا: قد كُنّا مسلِمَيْن قبلك. فقال رسول الله ﷺ: «كذبتما، مَنَع الإسلامَ منكما ثلاثٌ: قولُكما اتخذ الله ولدًا، وسجودُكما للصليب، وأكلُكما لحم الخنزير». قالا: فمَن أبو عيسى؟ فلم يدرِ ما يقول؛ فأنزل الله: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ إلى قوله: ﴿بالمفسدين﴾. فلمّا نزلت هذه الآيات دعاهما رسول الله ﷺ إلى الملاعنة، فقالا: إنّه إن كان نبيًّا فلا ينبغي لنا أن نُلاعِنه. فأبَيا، فقالا: ما تعرِضُ سوى هذا؟ فقال: «الإسلام، أو الجِزْيَة، أو الحرب». فأقرُّوا بالجزية
عن عبد الله بن عباس، قال: قال أبو رافع القُرَظِيّ حين اجتمعت الأحبار من اليهود، والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد -يا محمد- أن نعبدك كما تعبدُ النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل مِن أهل نجران نصرانيٌّ يقال له الريسُ: أوَذاك تريد مِنّا، يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني». فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾
قال عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضحاك- في قوله: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ يعني: به التوراة جملة واحدة مُفَصَّلة مُحْكَمة، ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ يعني: رسولًا يُدْعى: أشمويل بن بابل، ورسولًا يُدعى: منشائيل، ورسولًا يُدعى: شعيا بن أمضيا، ورسولًا يُدعى: حِزْقِيل، ورسولًا يُدعى: أرْمِيا بن حَلْقِيا وهو الخَضِر، ورسولًا يُدعى: داود بن إيْشا وهو أبو سليمان، ورسولًا يُدْعى: المسيح عيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل ابتَعَثَهم الله وانتخبهم للأمة بعد موسى بن عمران، وأخذ عليهم ميثاقًا غليظًا أن يُؤدُّوا إلى أُمَّتِهم صفة محمد ﷺ وصفة أُمَّتِه
قال مبارك أبو حماد: سمعتُ سفيان الثوريَّ يقرأ على علي بن الحسن: واعلم أن السُّنَّةَ سُنَّتان: سُنَّة أخْذُها هُدًى وترُكها ضلالة، وسُنَّة أخْذُها هُدًى وتركها ليس بضلالة، وأنّ الله لا يقبل نافلة حتى تُؤَدِّي الفريضة، وأنّ لله حِقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقًّا بالنهار لا يقبله بالليل، وأنّه يُحاسِب العبدَ يوم القيامة بالفرائض، فإن جاء بها تامَّةً قُبِلَتْ فرائِضُه ونوافِلُه، وإن لم يؤديها وأضاعها لَحِقَتِ النوافلُ بالفرائض، فإن شاء غفر له، وإن شاء عَذَّبه، وأولى الفرائضِ الانتهاءُ عن الحرام والمظالم، وأنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية...
عن ابن عباس، قال: طَلَّق عبدُ يزيد -أبو رُكانة وإخوتِه- أمَّ رُكانة، ونكح امرأة من مُزَيْنة، فجاءت النبي ﷺ، فقالت: ما يُغني عنِّي إلا كما تُغْنِي هذه الشعرةُ -لشعرة أخذتها من رأسها-، ففرِّق بيني وبينه. فأخَذَتِ النبيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ، فدعا بِرُكانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون فلانًا يُشْبِه منه كذا وكذا من عبدِ يزيد، وفلان منه كذا وكذا؟». قالوا: نعم. قال النبي ﷺ لعبد يزيد: «طَلِّقْها». ففعل، قال: «راجِع امرأتك أم رُكانة وإخوته». فقال: إنِّي طلقتها ثلاثًا، يا رسول الله. قال: «قد علمتُ، أرْجِعْها». وتلا: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١]
عن معاوية بن أبي عَيّاش الأنصاري: أنّه كان جالِسًا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البُكَيْر، فقال: إنّ رجلًا من أهل البادية طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يَدْخُل بها، فماذا تَرَيانِ؟ فقال ابنُ الزبير: إنّ هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإنِّي تركتهما عند عائشة، فاسألهما. فذهب، فسألهما، قال ابن عباس لأبي هريرة: أفْتِهِ يا أبا هريرة، فقد جاءتك مُعْضِلَة. فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبِينُها، والثلاثُ تُحَرِّمُها حتى تَنكِح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثلَ ذلك