عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزَلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ كبُر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيعُ أحدٌ مِنّا أن يتركَ لولدِه مالًا يبقى بعدَه. فقال عمر: أنا أُفَرِّجُ عنكم. فانطلَق عمرُ، واتَّبَعه ثوبان، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ الله، إنّه قد كبُر على أصحابِك هذه الآية. فقال: «إنّ الله لم يفرضِ الزكاة إلا لَيُطَيِّبَ بها ما بقِي من أموالِكم، وإنّما فرَض المواريثَ من أموالٍ تبقى بعدَكم». فكبَّر عمر، ثم قال له النبيُّ ﷺ: «ألا أخبِرُك بخيرِ ما يكنِزُ المرءُ؟! المرأةُ الصالحة؛ التي إذا نظَر إليها سرَّته، وإذا أمرَها أطاعَتْه، وإذا غاب عنها حفِظَتْه»
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- قال في قوله: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا عن التوبة -يريد: غير أبي لبابة، وأصحابه- ولم يُنزِل اللهُ عذرَهم، فضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت، وكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين؛ فرقة تقول: هلكوا حين لم يُنزِل اللهُ فيهم ما أنزل في أبي لبابة وأصحابه. وتقول فرقةٌ أخرى: عسى الله أن يعفو عنهم. وكانوا مُرْجَئِين لأمر الله، ثم أنزل الله رحمته ومغفرته، فقال: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾ الآية [التوبة:١١٧]. وأنزل الله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ الآية [التوبة:١١٨]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾، نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وفي رجل من الأنصار يُقال له: عتبان بن مالك الأنصاري، وذلك أنّ الأنصاري صنع طعامًا، وشوى رأس بعيرٍ، ودعا سعد بن أبي وقاص إلى الطعام -وهذا قبل التحريم-، فأكلوا، وشرِبُوا حتى انتشوا، وقالوا الشِّعْر، فقام الأنصاريُّ إلى سعد، فأخذ إحدى لَحْيَيْ البعير فضرب به وجهه، فشَجَّه، فانطلق سعد مستعديًا إلى رسول الله ﷺ، فنزل تحريم الخمر، فقال سبحانه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾، يعني به: القمار كله
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: قَدِم الحُطَمُ بن هند البَكْرِيّ المدينةَ في عِير له تحمل طعامًا، فباعه، ثم دخل على النبي ﷺ، فبايعه وأسلم، فلَمّا ولّى خارجًا نَظَر إليه، فقال لِمَن عنده: «لقد دخل عَلَيَّ بوجه فاجِر، ووَلّى بقَفا غادِر». فلما قَدِم اليمامة ارْتَدَّ عن الإسلام، وخرج في عِير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي ﷺ تَهَيَّأ للخروج إليه نفرٌ من المهاجرين والأنصار لِيَقْتَطِعُوه في عِيرِه، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ الآية، فانتهى القوم
قال مقاتل بن سليمان: قال -تعالى ذِكْرُه-: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾، يعني: مناسك الحج والعمرة. وذلك أن الحُمُس -قريشًا، وخُزاعة، وكِنانَة، وعامر بن صَعْصَعَة- كانوا يَسْتَحِلُّون أن يُغِير بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وغيرها، وكانوا لا يَسْعَوْن بين الصفا والمروة، وكانوا لا يَرَوْن الوقوف بعرفات من شعائر الله، فلَمّا أسلموا أخبرهم الله عز وجل بأنها من شعائر الله، فقال عز وجل: ﴿الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وأمر سبحانه أن يُسعى بينهما، وأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾
عن جابر: أنّ رجلًا من مُحارِب -يُقال له: غَوْرَثُ بن الحارث- قال لقومه: أقتُلُ لكم محمدًا؟ قالوا: كيف تقتله؟ فقال: أفْتِك به. فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس، وسيفه في حِجْره، فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: «نعم». فأخذه، فاسْتَلَّه، وجعل يَهُزُّه ويَهِمُّ، فيَكْبِته الله، فقال: يا محمد، أما تخافُني؟ قال: «لا». قال: أما تخافُني وفي يدي السيف؟! قال: «لا، يمنعني الله منك». ثم غَمَد السيف، ورده إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ﴾ الآية، قال: جعَلوا لله مِن ثمارهم ومائهم نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا، فإن سقَط مِن ثمرةِ ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مِمّا جعلوا للشيطان في نصيب الله ردُّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفَجَر مِن سَقْيِ ما جعلوا لله في نصيب الشيطان ترَكوه، وإن انفجَر مِن سَقْيِ ما جعلوا للشيطان في نصيب الله سرَّحوه، فهذا ما جُعِل لله مِن الحرث وسَقْيِ الماء، وأمّا ما جعَلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ [المائدة:١٠٣] الآية
عن أبي أُمامةَ الباهلي، قال: قام رسول الله ﷺ في الناس، فقال: «إنّ اللهَ تعالى كتَب عليكم الحج». فقال رجلٌ مِن الأعراب: أفي كلِّ عامٍ؟ فسكَت طويلًا، ثم تكلَّم فقال: «مَن السائل؟». فقال: أنا ذا. فقال: «ويحك، ماذا يُؤمِنُك أن أقولَ: نعم؟ واللهِ لو قلتُ: نعم. لوَجَبَت، ولو وجَبَت لترَكتم، ولو ترَكتم لكفَرتم، ألا إنه إنما أهلَك الذين مِن قبلِكم أئمةُ الحَرَج، واللهِ، لو أنِّي أحللتُ لكم جميعَ ما في الأرض مِن شيءٍ وحرَّمتُ عليكم منها موضعَ خُفِّ بعيرٍ لوَقَعتم فيه». وأنزل الله عند ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾ إلى آخر الآية
عن أنس، قال: نزلت: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ إلى قوله: ﴿ولكن عذاب الله شديد﴾ على النبي ﷺ وهو في مسير له، فرفع بها صوتَه حتى ثاب إليه أصحابُه، فقال: «أتدرون أيَّ يوم هذا؟ هذا يوم يقول الله لآدم: يا آدم، قم فابعث بعث النار، مِن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». فكَبُر ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ: «سدِّدوا، وقارِبوا، وأبشروا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرَّقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا أكثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، ومَن هلك مِن كَفَرَة الإنس والجن»
قال مقاتل: كان سليمان عليه السلام جالِسًا، إذ مرَّ به طائر يُصَوِّت، فقال لجُلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرَّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم. فقال سليمان: إنّه قال لي: السلام عليك، أيها الملِك المسلط على بني إسرائيل، أعطاك اللهُ سبحانه وتعالى الكرامةَ، وأظهرك على عدوك، إنِّي مُنطلِق إلى فروخي، ثم أمر بك الثانية. وإنّه سيرجع إلينا الثانية، فانظروا إلى رجوعه. قال: فنظر القوم طويلًا، إذ مرَّ بهم، فقال: السلام عليك، أيها الملك، إن شئت أن تأذن لي كيما أُحْسِب فروخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال، وأذِن له