عن عمرو بن عبسة، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن قوله: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك﴾، ما كان النِّداء؟ وما كانت الرحمة؟ قال: «كتابٌ كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه، ثم نادى: يا أمة محمد، سبقت رحمتي غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، فمَن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا عبدي ورسولي صادقًا؛ أدخلته الجنة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا﴾ يعني: وصفنا وبَيَّنّا ﴿لِلنّاسِ فِي هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يعني: مِن كل شَبَه، نظيرها في الزمر، ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿بِآيَةٍ﴾ كما سأل كفار مكة ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للنبي ﷺ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ لقالوا: ما أنت -يا محمد- إلا كذاب، وما هذه الآية مِن الله عز وجل. كما كذبوا في انشقاق القمر حين قالوا: هذا سحر
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: كانت الجِنُّ تخبر الإنسَ أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غدٍ، فابتُلوا بموت سليمان، فمات، فلبث سنة على عصاه وهم لا يشعرون بموته، وهم مُسَخَّرون تلك السنة، ويعملون دائبين، ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾، وفي بعض القراءة: (تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لَّوْ كانَ الجِنُّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُواْ فِي العَذابِ المُهِينِ)، وقد لبثوا يدأبون ويعملون له حولًا بعد موته
عن عاصم، أنّه قرأ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ بالخفض منونة مهموزة، ‹فِي مَساكِنِهِمْ› على الجماع بالألف[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. و﴿لِسَبَإٍ﴾ بالخفض منوّنة مهموزة قراءة متواترة، قرأ بها العشرة ما عدا البزي، وأبا عمرو؛ فإنهما قرآ: ‹لِسَبَأَ› بفتح الهمزة بلا تنوين، وما عدا قنبلًا؛ فإنه قرأ: ‹لِسَبَأْ› بإسكان الهمزة. انظر: النشر ٢/٣٣٧، والإتحاف ص٤٥٩.]][[c=٥٣٠٨]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ مِن بعد الأمم الخالية، ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ بتوحيد الله ﴿فَعَلَيْهِ﴾ عاقبة ﴿كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ يقول: الكافر لا يزداد في طول العمل إلا ازداد الله -جلَّ وعزَّ- له بُغضًا، ثم قال جل وعز: ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إلّا خَسارًا﴾ لا يزداد الكافرون في طول العمل إلا ازدادوا بكفرهم خسارًا
عن إسماعيل السُدِّيّ: ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ يعني: قد أغوى إبليسُ منكم ﴿جِبِلًّا﴾ يعني: خلقًا كثيرًا، فكفروا فلم يكونوا يعقلون، وأخبر عنهم، فقال: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي: لو كنا نسمع أو نعقل لآمَنّا في الدنيا، فلم نكن من أصحاب السعير. قال اللَّه: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا﴾ فبُعْدًا ﴿لأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠-١١]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ يعني: نتنَزَّل منها حيث نشاء. رضّاهم بمنازلهم منها، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾، وقال في هذه السورة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأَوْرَثَنا الأَرْضَ﴾ يعني: أرض الجنة، وقال في سورة الأنبياء [١٠٥]: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأَرْضَ﴾ يعني: أرض الجنة ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وذلك أنّ أهل مكة كفَر بعضهم بالقرآن، وآمن بعضُهم، فقال الله تعالى: إن الذي اختلفتم فيه فإني أردّ قضاءه إلَيَّ، وأنا أحكم فيه. ثم دلَّ على نفسه بصُنعه، فقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الذي يحيي الموتى ويميت الأحياء، هو أحياكم، وهو الله ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يعني: به أثق، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ يقول: إليه أرجع
عن عبد الله بن عمرو -من طريق أبي أيوب الأزدي- قال: إنّ أهل جهنم يدعُون مالكًا أربعين عامًا، فلا يجيبهم، ثم يقول: ﴿إنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾. ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]. فيَدَعهم أو يخلي عنهم مِثل الدنيا، ثم يردّ عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. قال: فما نَبَس القوم بعد ذلك بكلمة، إنْ كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآتَيْناهُمْ آيات بَيِّناتٍ﴾ واضحات ﴿مِنَ الأَمْرِ﴾ يعني: أُبيِّن لهم في التوراة من الحلال والحرام والسّنة وبيان ما كان قبلهم، ثم اختلفوا في الدِّين بعد يوشع بن نون؛ فآمنَ بعضهم، وكفر بعضهم، ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ يعني: البيان ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: في الدِّين يختلفون