عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ رقى المنبر، فقال: «آمين، آمين، آمين». قيل له: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا؟ فقال: «قال لي جبريل: رَغِم أنفُ عبدٍ أدرك أبويه أو أحدهما لم يدخله الجنة. قلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يُغفر له. فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ ذُكرتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك. فقلت: آمين»
عن علي بن زيد بن جدعان، قال: تلا مُطَرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] هذه الآية: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾، ثم قال مُطَرِّف: لو يعلم الناسُ قدرَ رحمة الله وعفو الله وتجاوز الله ومغفرة الله لَقَرَّت أعينُهم، ولو يعلم الناس قدر عقوبة الله ونقمة الله وبأس الله ونكال الله ما رقى لهم دمعٌ، ولا قرَّت أعينُهم بشيء
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾، فأَكَبَّت عليه تُطِيعه مَرَّة، وتُخِيفُه مَرَّة أخرى، وتدعوه إلى لَذَّةٍ، وهي مِن حاجة الرجال في جمالها وحُسْنِها ومُلْكِها، وهو شابٌّ مُقْتَبِلٌ يَجِدُ مِن شَبَقِ الرِّجال ما يجد الرجال، حتّى رَقَّ لها مِمّا يرى مِن كَلَفِها به، ولم يَتَخَوَّف منها حتى هَمَّ بها وهَمَّت به، حتى دخلوا في بعض بيوته، فلمّا هَمَّ وتَهَيَّأ لذلك رأى برهانَ ربه، فانكشف عنها هارِبًا
عن سعيد بن جبير -من طريق هلال بن خباب- قال: ﴿وأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾، اليقطين: شجرةٌ سمّاها الله: يقطينًا، أظلته، وليس بالقرع. قال: فيما ذُكر: أرسل الله عليه دابة الأرض، فجعلت تقرض عروقها، وجعل ورقُها يتساقط، حتى أفضت إليه الشمس، وشكاها، فقال: يا يونس، جزعت مِن حرِّ الشمس، ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا إلَيَّ فتبتُ عليهم؟!
عن عبد الله بن عباس أنه جاء إلى كعب الأحبار، وسأله عن قوله: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيّين﴾. قال: إنّ روح المؤمن إذا قُبضتْ عُرج بها إلى السماء، فتنفتح لها أبواب السماء، وتلقاه الملائكة بالبشرى، حتى يُنتهى بها إلى العرش، وتَعرج الملائكة، فيخرج لها من تحت العرش رقّ، فيُرْقَم، ويُخْتَم، ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة للحساب يوم القيامة، ويشهد الملائكة المُقرَّبون، فذلك قوله: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيّون كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: تزوّج أُمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ عُتيبةُ بن أبي لهب، وكانت رُقَيّة عند أخيه عُتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه عُتيبة وعُتبة: رأسي مِن رأسكما حرام إن لم تُطلِّقا ابنتَي محمد. وقالت أُمّهما بنت حرب بن أُمَيّة -وهي حمّالة الحطب-: طلِّقاهما فإنهما قد صَبَتا. فطلَّقاهما
عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي هارون العبدي- قال: حَجَجْنا مع عمر بن الخطاب، فلمّا دخل الطوافَ استقبَل الحجر، فقال: إنِّي أعلمُ أنّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله ﷺ قبَّلك ما قبَّلْتُك. ثم قبَّله، فقال له علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، إنه يضرُّ وينفع. قال: بِمَ؟ قال: بكتاب الله عز وجل. قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ إلى قوله: ﴿بلى﴾. خلق الله آدم، ومسَح على ظهره، فقرَّرهم بأنه الربُّ، وأنهم العبيد، وأخَذ عهودَهم ومواثيقَهم، وكَتَب ذلك في رَقٍّ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افْتَحْ فاك. ففَتَح فاه، فألقَمه ذلك الرَّقَّ، فقال: اشْهَد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة. وإنِّي أشهدُ لَسَمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُؤْتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسانٌ ذُلَقٌ، يشهدُ لمن يستلِمُه بالتوحيد». فهو -يا أمير المؤمنين- يَضُرُّ وينفع. فقال عمر: أعوذُ بالله أن أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم، يا أبا حسن
عن عبد الله بن عمر، قال: ذُكِر عندَ النبيِّ ﷺ طُوبى، فقال النبيُّ ﷺ: «يا أبا بكرٍ، هل بلغك طُوبى؟». قال: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: «طُوبى شجرةٌ في الجنَّة لا يعلمُ طولها إلا الله، فيسير الراكبُ تحت غُصْنٍ مِن أغصانها سبعين خريفًا، ورقُها الحُلَلُ، يقع عليها الطيرُ كأمثال البُخْتِ». قال أبو بكر: إنّ ذلك الطيرَ ناعِمٌ! قال: «أنعمُ مِنه مَن يأكله، وأنت منهم، يا أبا بكر، إن شاء الله»
عن مسروق -من طريق مرة- قال: الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم إنما كان كَرْمًا، نفشت فيه الغنمُ فلم تَدَعْ فيه ورقةً ولا عنقودًا مِن عِنَب إلا أكلته، فأتوا داود، فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: إنّ صاحب الكرم قد بقي له أصلُ أرضه وأصل كرمه! بل تؤخذ الغنم فيُعطاها أهل الكرم، فيكون لهم لبنها وصوفها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم ليعمروه ويصلحوه، حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم
عن عائشة أم المؤمنين -من طريق عروة- أنها قالت: أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ مِن الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن يَنزِع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه المَلك، فقال: اقرأ. قال: «قلتُ: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ. فأخذني، فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآية. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُوَيلِد، فقال: «زمِّلوني، زمِّلوني». فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيتُ على نفسي». فقالت خديجة: كلا، واللهِ، ما يُخزيك الله أبدًا؛ إنّك لَتَصِل الرَّحِم، وتحمل الكلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. فانطلقتْ به خديجة حتى أتتْ ورَقة بن نَوْفل بن عبد العُزّى -ابن عم خديجة-، وكان امرءًا قد تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعِبْرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع مِن ابن أخيك. فقال له ورَقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جَذعًا، يا ليتني أكون فيها حيًّا إذا يُخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: «أوَمخرجيّ هم؟». قال: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بمثل ما جئتَ به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم يَنشب ورَقة أن تُوفِّي، وفتَر الوحي. قال ابن شهاب: وأخبَرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يُحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بصري، فإذا المَلك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعِبتُ منه، فرجعتُ، فقلتُ: زَمِّلوني. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر:١-٥]، فحمي الوحي وتتابع»