قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ألهم ذنوب؟ أي ربِّ نعم، ﴿لَهُمْ﴾ فيها ﴿ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهُمْ أجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقرأ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ لئلا ييأس مَن لهم الذنوب أن لا يكونوا منهم، ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢-٤]. وقرأ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب:٣٥]
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾ الآية، قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيَّه قالوا: لو أتينا محمدًا ﷺ، فآمنّا به، واتّبعناه. فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسولُه في دينه؟ فقالوا: ألا نبعثُ إلى رسول الله ﷺ رجلًا! فلمّا بعثوا، نزل القرآن: ﴿قل يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّه﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِين﴾
عن عمر بن الخطاب -من طريق أبي سنان الشيباني- قال: العمال على أربعة وجوه: عاملٌ صالح في سبيل هُدىً يريد به دنيا، فليس له في الآخرة شيء، ذلك بأنّ تعالى قال: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها﴾ الآية. وعامل الرياء ليس له ثواب في الدّنيا ولا في الآخرة إلّا الويل. وعاملٌ صالح في سبيل هُدًى يبتغي به وجه الله والدار الآخرة، فله الجنّة في الآخرة، مع ما يعان به في الدّنيا. وعاملُ خطأ وذنوب، ثوابه عقوبة الله، إلّا أن يعفو فإنّه أهل التَّقْوى وأهل المغفرة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ يعني: كلامكم ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ يعني: فوق كلام النبي ﷺ، يقول: احفظوا الكلام عنده؛ ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يقول: كما يدعو الرجل منكم باسمه: يا فلان، ويا ابن فلان، ولكن عظِّموه ووقِّروه وفخِّموه، وقولوا له: يا رسول الله، ويا نبي الله. يؤدّبهم ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ يعني: أن تبطل حسناتكم إن لم تحفظوا أصواتكم عند النبي ﷺ، وتعظِّموه، وتوقِّروه، وتَدْعوه باسم النبوة، فإنه يحبط أعمالكم ﴿وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك يحبطها
عن ابن عمر: أنّ النبيّ ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته، يستلم الأركان بِمِحْجَنِه، فلمّا خرج لم يجد مُناخًا، فنزل على أيدي الرجال، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية، وتكبّرها بآبائها، الناس رجلان؛ بَرٌّ تقيٌّ كريم على الله، وفاجرٌ شقيٌّ هيّنٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب؛ قال الله: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾» ثم قال: «أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم»
عن مسروق، أنّ عائشة قالت: يا أبا عائشة، مَن زعم أنّ محمدًا رأى ربّه فقد أعظم الفِرية على الله. قال: وكنتُ متكئًا، فجلستُ، فقلتُ: يا أُمّ المؤمنين، أنظِريني ولا تعجليني، أرأيتِ قول الله: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾، ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾. قالت: إنّما هو جبريلُ، رآه مرةً على خلْقه وصورته التي خُلِق عليها، ورآه مرة أخرى حين هبط من السماء إلى الأرض سادًّا عِظم خلْقه ما بين السماء والأرض. قالت: أنا أول مَن سأل النبي ﷺ عن هذه الآية، قال: هو جبريل عليه السلام
عن أبي سعيد الخُدري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحُدَيبية، حتى إذا كان بعُسْفان قال رسول الله ﷺ: «يوشِكُ أن يأتيَ قومٌ تَحقِرون أعمالَكم مع أعمالهم». قلنا: مَن هم، يا رسول الله، أقريش؟ قال: «لا، ولكن هم أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبًا». فقلنا: أهم خير منّا، يا رسول الله؟ قال: «لو كان لأحدهم جبلٌ مِن ذهب فأنفَقه ما أدرك مُدَّ أحدكم ولا نَصيفه، ألا إنّ هذا فصْل ما بيننا وبين الناس: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُمْ مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآية»
عن فاطمة بنت عُتبة: أنّ أخاها أبا حُذيفة أتى بها وبهند بنت عُتبة رسولَ الله ﷺ تبايعه، فقالت: أخذ علينا، فشَرط علينا، فقلتُ له: يا ابن عم، وهل عَلِمتَ في قومك مِن هذه الهَنات شيئًا؟! قال أبو حذيفة: إيهًا، فبايِعيه، فإنّ بهذا يُبايِع وهكذا يَشترِط. فقالت هند: لا أبايعكَ على السّرقة، فإني أسرق من مال زوجي، فكفَّ النبيُّ ﷺ يده، وكفّتْ يدها، حتى أرسل إلى أبي سُفيان، فتحلّل لها منه، فقال أبو سُفيان: أما الرَّطب فنعم، وأما اليابس فلا ولا نعمة. قالت: فبايعناه
قال مالك بن أنس: وإنما السّعي في كتاب الله: العمل والفعل؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس:٨-٩]، وقال: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات:٢٢]، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]. قال مالك: فليس السّعي الذي ذكر الله في كتابه بالسّعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عنى العمل والفعل
عن محمد بن إسحاق مولى أبي قيس بن مَخرمة، قال: جاء مالك الأَشْجعيّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: أُسِر ابني عَوْف، فقال له: «أرْسِل إليه: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تُكثر مِن: لا حول ولا قوة إلا بالله». وكانوا قد شَدُّوه بالقِدِّ، فسقط القِدُّ عنه، فخرج، فإذا هو بناقة لهم، فرَكبها، فأقبل فإذا بسَرْحٍ للقوم الذين كانوا شَدُّوه، فصاح بها، فأَتْبَع آخرها أوّلها، فلم يَفْجَأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فأتى أبوه رسول الله ﷺ فأخبَره، فَنَزلت: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية