عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قدِم حُيَيُّ بن أخطَب وكعبُ بن الأشرف مَكَّةّ على قريش، فحالفوهم على قتال رسول الله ﷺ، فقالوا لهم: أنتم أهل العلم القديم، وأهل الكتاب؛ فأخبِرُونا عنّا وعن محمد. قالوا: ما أنتم، وما محمد؟ قالوا: نَنْحَرُ الكَوْماء، ونسقي اللبن على الماء، ونَفُكُّ العُناة، ونسقي الحجيج، ونَصِل الأرحام. قالوا: فما محمد؟ قالوا: صُنبُور قطع أرحامنا، واتَّبعه سُرّاق الحجيج بنو غفار. قالوا: لا، بل أنتم خير منه، وأهدى سبيلًا. فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ إلى آخر الآية
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- أنّ كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي ﷺ، وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنّا معكم نقاتله. فقالوا: إنّكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمِن بهما. ففعل، ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن نَنْحَرُ الكَوْماء، ونَسْقِي اللبن على الماء، ونَصِل الرحم، ونَقْرِي الضيف، ونَطوف بهذا البيت، ومحمدٌ قَطَعَ رَحِمَه، وخرج من بلده. قال: بل أنتم خيرٌ وأهدى. فنزلت فيه: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت﴾ الآية
قال مبارك أبو حماد: سمعتُ سفيان الثوريَّ يقرأ على علي بن الحسن: واعلم أن السُّنَّةَ سُنَّتان: سُنَّة أخْذُها هُدًى وترُكها ضلالة، وسُنَّة أخْذُها هُدًى وتركها ليس بضلالة، وأنّ الله لا يقبل نافلة حتى تُؤَدِّي الفريضة، وأنّ لله حِقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقًّا بالنهار لا يقبله بالليل، وأنّه يُحاسِب العبدَ يوم القيامة بالفرائض، فإن جاء بها تامَّةً قُبِلَتْ فرائِضُه ونوافِلُه، وإن لم يؤديها وأضاعها لَحِقَتِ النوافلُ بالفرائض، فإن شاء غفر له، وإن شاء عَذَّبه، وأولى الفرائضِ الانتهاءُ عن الحرام والمظالم، وأنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية...
عن قتادة بن دِعامة: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فجَعل عدة الطلاق ثلاثَ حِيَض، ثم إنّه نسخ منها المطلَّقة التي طُلِّقت ولم يَدْخُلْ بها زوجُها، فقال في سورة الأحزاب [٤٩]: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾، فهذه تزَوَّج إن شاءت من يومها. وقد نَسَخ من الثلاثة، فقال: ﴿واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق:٤]، فهذه العجوز التي لا تحيض، والتي لم تحِض، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرها في شيء. ونَسَخَ من الثلاثة قروءَ الحامل، فقال: ﴿أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤]، فهذه ليست من القُروء في شيء، إنما أجلُها أن تضَعَ حملها
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، نزلت في أبي البَدّاحِ ابن عاصم بن عَدِيٍّ الأنصاري -مِن بني العجلان الأنصاري، وهو حَيٌّ مِن قُضاعَة-، وفي امرأته جُمل بنت يَسار [المُزَنية]، بانت منه بتطليقة، فأراد مراجعتها، فمنعها أخوها، وقال: لَئِن فعلت لا أكلمك أبدًا، أنكحتُكَ، وأكرمتُكَ، وآثرتُكَ على قومي، فطلَّقتَها، وأجحفتَ بها، واللهِ، لا أُزَوِّجُكها أبدًا... فلمّا نزلت هذه الآية قال ﷺ: «يا مَعْقِل، إن كُنتَ تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تمنع أختَك فلانًا». يعني: أبا البَدّاح. قال: فإنِّي أنا أؤمن بالله واليوم الآخر، وأُشْهِدُك أنِّي قد أنكحتُه
عن علي، قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: «هذه عرفةُ، وهو المَوْقِفُ، وعرفةُ كلُّها مَوْقِفٌ». ثم أفاض حين غربت الشمس، وأَرْدَف أسامةَ بن زيد، وجعل يشير بيده على هِينَتِه، والناس يضربون يمينًا وشمالًا، يلتفت إليهم ويقول: «يا أيها الناس، عليكم السكينةُ». ثم أتى جَمْعًا، فصلّى بهم الصلاتين جميعًا، فلمّا أصبح أتى قُزَح، فوقف عليه، وقال: «هذا قُزَحُ، وهو الموقفُ، وجَمْعٌ كُلُّها موقفٌ». ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي مُحَسِّر، فقَرَعَ ناقته، فخَبَّتْ، حتى جاوز الوادي، فوقف وأردفَ الفَضْل، ثم أتى الجمرةَ فرماها، ثم أتى المَنحَرَ، فقال: «هذا المَنحَر، ومنى كلها مَنحَر»
عن ابن عباس، قال: يطوف الرجل بالبيت ما كان حلالًا حتى يُهِلَّ بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمَن تيَسَّر له هديُه من الإبل أو البقر أو الغنم ما تَيَسَّر له من ذلك، أيَّ ذلك شاء، غير إن لم يتيسر له فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وذلك قبل يوم عرفة، فإذا كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه، ثم لينطلقْ حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام، ثم ليدفعوا من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جَمْعًا للذي يبيتون به، ثم ليذكروا الله كثيرًا، وأكثِرُوا التكبيرَ والتهليلَ قبل أن تُصْبِحُوا، ثم أفيضوا، فإنّ الناس كانوا يُفِيضُون، وقال الله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾، حتى ترموا الجمرة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أذىً﴾، يعني: قَذَر. نزلت في عمرو بن الدحداح الأنصاري من قُضاعَة. فلَمّا نزلت هذه الآية لَمْ يؤاكلوهنَّ في إناء واحد، وأخرجوهنَّ من البيوت والفُرُش كفِعْل العَجَم، فقال ناسٌ من العرب للنبي ﷺ: قد شَقَّ علينا اعتزالُ الحائض، والبردُ شديدٌ، فإن آثَرْناهم بالثياب هلك سائرُ البيت، وإن آثرْنا أهلَ البيت هَلَكَتِ النّساءُ بَرْدًا. فقال النبي ﷺ: «إنّكم لَمْ تُؤْمَروا أن تَعْزِلُوهُنَّ من البيوت، إنَّما أُمِرْتُم باعتزال الفَرْجِ إذا حِضْنَ، ويُؤْتَيْنَ إذا طَهُرْنَ». وقرأ عليهم: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾، يقول: يمُنُّ بها، فإن ذلك أذًى لصاحبها، وكلُّ صدقة يمُنُّ بها صاحبها على المُعْطى فإنّ المنَّ يُبطِلُها، فضرب الله عز وجل [مثلًا] لذلك: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله﴾. يقول: ولا يُصدِّق بأنه واحد لا شريك له ﴿واليوم الآخر﴾ يقول: ولا يُصدِّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن، ﴿فمثله﴾ يعني: مثل الذي يمُنُّ بصدقته كمَثَل مشرك أنفق ماله في غير إيمان، فأبطل شِرْكُه الصدقةَ كما أبطل المنُّ والأذى صدقةَ المؤمن. ثم أخبر عمَّن مَنَّ بها على صاحبه فلم يُعْطَ عليها أجرًا ولا ثوابًا
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أنزل الله عز وجل في البِكْرَيْن: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور:٢]، فنسخت هذه الآية التي في النور: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، فلمّا أمر اللهُ عز وجل بالجلد قال النبي ﷺ: «اللهُ أكبرُ، جاء اللهُ بالسبيل، البِكْرُ بالبِكْر جلدُ مائة ونَفْيُ سنة، والثَّيِّبُ بالثيب جلدُ مائة ورجم بالحجارة». فأُخرجوا مِن البيوت، فجُلِدوا مائة، وحُدُّوا، فلم يُحْبَسُوا، فذلك قوله عز وجل: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، يعني: مخرجًا مِن الحبس بجلد البكر، ورجم المحصن