عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: فذلك سِرُّ عملِكم وعلانيتُه، يحاسبكم به الله، فليس من عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليعمل به، فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات، وإن هو لم يُقدَّر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنّه مؤمن، والله يرضى سِرَّ المؤمنين وعلانيتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسه اطَّلع الله عليه وأخبره به يوم تُبْلى السرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه، كما قال: ﴿أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أحۡسَنَ ما عَمِلُوا۟ ونَتَجاوَزُ عَن سَیِّـٔاتِهِمۡ﴾ [الأحقاف:١٦]
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾: أُسْرِي بنبيِّ الله عِشاء مِن مكة إلى بيت المقدس، فصلى نبيُّ الله فيه، فأراه الله من آياته وأمره بما شاء ليلة أسري به، ثم أصبح بمكة. ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ قال: «حُمِلْتُ على دابَّة يقال لها: البُراق، فوق الحمار ودُون البغل، يقع خَطْوُه عند أقصى طَرَفِه». فحدَّث نبيُّ الله بذلك أهل مكة، فكذَّب به المشركون وأنكروه، وقالوا: يا محمد، تخبرنا أنّك أتيتَ بيت المقدس، وأقبلت مِن ليلتك، ثم أصبحت عندنا بمكة، فما كنت تجيئنا وتأتي به قبل اليوم مع هذا! فصدَّقه أبو بكر، فسُمِّي أبو بكر: الصديق؛ مِن أجل ذلك
عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله عز وجل: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية [النساء:٨٩-٩٠]، وقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ الآية، ثم نَسخ هؤلاء الآيات، فأنزل الله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ إلى قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:١-٥]، وأنزل: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة:٣٦]، قال: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال:٦١]، ثم نَسخ ذلك هذه الآية: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة:٢٩]
عن رزين الجُرْجانِيِّ، قال: سألتُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء﴾. قال: لا علم لي بها. فسألت الضحاك بن مزاحم -وذكرت قول سعيد بن جبير-، فقال: أشهدُ لَسَمِعْتُه يسأل عنها عبد الله بن عباس، فقال ابنُ عباس: نزلت يوم خيبر، لَمّا فتح رسول الله - ﷺ - أصاب المسلمون مِن نساء أهل الكتاب لهن أزواج، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي امرأة منهنَّ قالت: إن لي زوجًا. فسُئِل رسول الله - ﷺ - عن ذلك؛ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء﴾ الآية. يعني: السَّبِيَّة من المشركين تُصابُ، لا بأس بذلك. فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: صدق. (٤/ ٣١٧)
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ربَّنا إني أسكنتُ من ذريَّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم﴾: وإنّه بيتٌ طهَّره الله مِن السوء، وجعله قبلةً، وجعله حَرمَه، اختاره نبيُّ الله إبراهيم لولده. وقد ذُكر لنا: أنّ عمر بن الخطاب قال في خطبته: إنّ هذا البيتَ أوَّل مَن ولِيه ناسٌ مِن طَسْمٍ، فعَصَوْا فيه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، واستحلُّوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم ولِيَه ناسٌ مِن جُرهُم، فعصَوا فيه، واستخفُّوا بحقِّه، واستحلُّوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم وليتموه معاشر قريشٍ، فلا تعصُوا، ولا تستخفُّوا بحقِّه، ولا تستحلوا حرمتَه، وصلاةٌ فيه أحبُّ إليَّ من مائة صلاةٍ بغيره، والمعاصي فيه على قدر ذلك
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: لَمّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ رسولًا أنكَرَتِ العربُ ذلك، أو مَن أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ مِن أن يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ. فأنزل الله: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِنهُم﴾ الآية، ﴿ومَآ أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلاَّ رِجالًا﴾ الآية [الأنبياء:٧]. فلمّا كَرَّر الله عليهم الحُجَجَ قالوا: وإذا كان بشرًا فغيرُ محمدٍ كان أحقَّ بالرسالةِ، ﴿لَوْلا نُزِلَ هَذا القُرْءانُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، يقول: أشرَفَ مِن محمدٍ، يَعْنون: الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفيَّ من الطائف؛ فأنزَل الله ردًا عليهم: ﴿أهُمْ يَقسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكَ﴾ الآية [الزخرف:٣٢]
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿قل أندعوا من دون الله﴾ الآية، قال: قال المشركون للمؤمنين: اتَّبِعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد. فقال الله: ﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا﴾ فهذه الآلهة، ﴿ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله﴾ فيكون مَثَلُنا كمَثَل الذي ﴿استهوته الشياطين في الأرض﴾. يقول: مثلُكم إن كفرتم بعد الإيمان كمَثَل رجل كان مع قوم على الطريق، فَضَلَّ الطريق، فحيَّرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابُه على الطريق، فجعلوا يَدعُونه إليهم، يقولون: ائتِنا فإنّا على الطريق. فأبى أن يأتيهم، فذلك مثلُ مَن يتَّبِعُكم بعد المعرفة لمحمد ﷺ، ومحمد ﷺ الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام
تفسير محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾، قال: بلغنا -والله أعلم-: أنّ عبد الله بن أبي أمية المخزومي هو الذي قال ذلك حين اجتمع الرَّهْطُ من قريش بفناء الكعبة، فسألوا نبيَّ الله أن يبعث لهم بعض أمواتهم، ويسخر لهم الريح، أو يسير لهم جبال مكة، فلم يفعل شيئًا مما أرادوا، فقال عبد الله بن أبي أمية عند ذلك: أما تستطيع -يا محمد- أن تفعل بقومك بعض ما سألوك، فوالذي يحلِف به عبد الله بن أبي أمية، لا أؤمن لك -أي: لا أصدقك- أبدًا حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: يحشر اللهُ الجنَّ والإنس إلى صُقع من الأرض، فيأخذون مقامهم منها، ثم ينزل الله سِبطًا مِن الملائكة، فيطيفون بالجن والإنس -أي: يُحْدِقون بهم-، ثم ينزل الله سبطًا من الملائكة، يطيفون بالملائكة وبالجن والإنس، ثم ينزل سبطًا ثالثًا، ورابعًا، وخامسًا، وسادسًا، وينزل الله سبحانه وتعالى في السبط السابع، مجتنباه جهنم، فإذا رأوه الخلائق ابْذَعَرُّوا فرارًا، فيقول: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ * بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾. فينادي: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأَرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]
عن أبي رجاء العُطارديّ من بني تميم -من طريق سَلْمٍ- قال: بُعث رسول الله ﷺ وقد رَعيتُ على أهلي، وكُفيتُ مَهنتهم، فلما بُعث رسول الله ﷺ خَرجنا هِرابًا، فأتينا على فَلاة من الأرض، وكُنّا إذا أمسينا بمثلها قال شيخُنا: إنّا نعوذ بعزيز هذا الوادي مِن الجنّ الليلةَ. فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة ألا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، فمَن أقرّ بها أمِن على دمه وماله. فرَجعنا، فدَخلنا في الإسلام. قال أبو رجاء: إنِّي لأرى هذه الآية نزلت فِيَّ وفي أصحابي: ﴿وأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجنّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾