عن محمد بن إسحاق، قال: وكانت الأحبار والرُّهبان -أهل الكتابيْن- هم أعلم برسول الله ﷺ قبل مَبعثه وزمانه الذي يُترقّب فيه من العرب؛ لِما يجدون في كتبهم من صفاته، وما أُثبت فيها عندهم من اسمه، وبما أُخذ عليهم من الميثاق له في عهد أنبيائهم وكتبهم في اتّباعه، فيَستفْتحون به على أهل الأوثان من أهل الشّرك، ويخبرونهم أنّ نبيًا مبعوثًا بدين إبراهيم اسمه أحمد، كذلك يجدونه في كتبهم وعهد أنبيائهم، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿الذي يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل﴾ الآية كلّها، وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ الآية كلّها [الفتح:٢٩]، وقوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ إلى قوله: ﴿فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾ [البقرة:٨٩-٩٠]
اختُلِف في المنهيِّ عن أكله مما لم يذكر اسم الله عليه على ثلاثة أقوال: الأول: هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلهتها. والثاني: هي الميتة. والثالث: بل عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٥٢٩) القول الأول الذي قاله عطاء، والثاني الذي قاله ابن عباس، وانتقد القول الأخير، مستندًا إلى الإجماع، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله عنى بذلك: ما ذُبِح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته... ، وأمّا مَن قال: عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسيَ ذكرَ اسمِ الله. فقول بعيد من الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده». وذكر ابنُ عطية (٣/٤٥١) أنّ من قالوا بهذا القول تعلَّقوا بالعموم الوارد في الآية؛ إذ لفظها يعمُّ ما تُرِكَت التسمية عليه من ذبائح الإسلام. وبنحوه
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: لَمّا وجد زكريّا عند مريم ثَمَرَ الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، يأتيها به جبريل؛ قال لها: أنّى لك هذا في غير حينه؟ فقالت: هذا رزق من عند الله يأتيني، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فطمع زكريّا في الولد، فقال: إنّ الذي أتى مريمَ بهذه الفاكهة في غير حينها لَقادِرٌ أن يُصْلِح لي زوجتي، ويَهَبَ لي منها ولدًا. فعند ذلك ﴿دعا زكريا ربه﴾، وذلك لثلاث ليال بَقِين من الـمُحَرَّم، قام زكريا فاغتسل، ثم ابتهل في الدعاء إلى الله، قال: يا رازقَ مريمَ ثمار الصيف في الشتاء، وثمار الشتاء في الصيف، ﴿هب لي من لدنك﴾ يعني: من عندك ﴿ذرية طيبة﴾ يعني: تَقِيًّا
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا﴾ الآية، قال: ذُكر لنا: أنّه لما أنزل الله أنّ أهل مكة لا يُقبل منهم إسلام حتى يهاجروا؛ كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا، فأدركهم المشركون فردُّوهم؛ فأنزل الله: ﴿ألم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ [العنكبوت:١-٢]. فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة، فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قُتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ الآية
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف - قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عُمير بن عوف [الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليلَ] بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير، وكلهم إخوة، وهم الطالِبُون، والمطْلُوبون بنو المغيرة من بني مخزوم، وكانوا يُداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا، وكان النبي ﷺ صالح ثَقِيفًا، فطلبوا رِباهم إلى بني المغيرة، وكان مالًا عظيمًا، فقال بنو المغيرة: والله لا نُعطِي الربا في الإسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المسلمين. فعرَّفوا شأنهم معاذَ بن جبل، ويقال: عتّابَ بن أسِيد، فكتب إلى رسول الله ﷺ: إن بني ابن عمرو بن عمير يطلبون رِباهم عند بني المغيرة. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾. فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل: «أنِ اعرِضْ عليهم هذه الآية، فإن فعَلوا فلهم رؤوس أموالهم، وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله ورسوله»
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- في قوله: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ فذَكَر استدراج إبليس إياهم، وتشبهه بسُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب التي كانت بينهم. يقول الله: ﴿فلما تراءت الفئتان﴾، ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة، قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم؛ ﴿نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون﴾، وصدق عدو الله أنَّه رأى ما لا يرون، وقال: ﴿إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾، فأوردهم ثم أسلمهم. قال: فذُكِرَ لي: أنّهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ لا يُنكِرُونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نَكَص الحارثُ بن هشام، أو عمير بن وهب الجُمَحِي، فذكر أحدهما فقال: أين أيْ سُراق؟ مثَلَ عدوِّ اللهِ وذهب
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان قوم مِن أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأُكْرِهوا؛ فاستغفروا لهم. فنزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى آخر الآية [النساء:٩٧]. قال: وكتب إلى مَن بقي بمكة من المسلمين هذه الآية؛ لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة؛ فنزلت هذه الآية: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت:١٠]. فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا، وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾. فكتبوا إليهم بذلك: إنّ الله قد جعل لكم مخرجًا. فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقُتِل مَن قُتِل
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق ابن ثور- قال: بلغنا: أنّ نصارى نجران قدِم وفدُهم على النبي ﷺ، فيهم السيِّد والعاقِب، وهما يومئذ سَيِّدا أهلِ نجران، فقالوا: يا محمد، فيمَ تَشْتُم صاحبَنا؟ قال: «مَن صاحِبُكم؟». قالوا: عيسى ابن مريم، تزعم أنّه عبد. قال رسول الله ﷺ: «أجل، إنّه عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه». فغضبوا، وقالوا: إن كنت صادقًا فأرِنا عبدًا يُحْيِي الموتى، ويُبْرِئ الأكمه، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه -الآية-، لكنَّه الله. فسكت، حتى أتاه جبريل، فقال: يا محمد ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ [المائدة:١٧] الآية. فقال رسول الله ﷺ: «ياجبريل، إنّهم سألوني أن أُخْبِرَهم بمَثَل عيسى». قال جبريل: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾. فلما أصبحوا عادوا، فقرأ عليهم الآيات
قال يحيى بن سلّام: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ بعضكم على بعض... وإن دخل على قومٍ سلَّم عليهم، وإذا خرج من عندهم سلَّم، وإن مرَّ بهم أو لقيهم سلّم عليهم، وإن كان رجلًا واحدًا سلَّم عليهم، وقوله: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ على إخوانكم. وإذا دخل الرجل بيته سلَّم عليهم، وإذا دخل المسجد قال: بسم الله، سلام على رسول الله، صلى الله على محمد وسلم، اللهم، اغفر لي ذنبي، وافتح لي باب رحمتك. فإن كان مسجدًا كثير الأهل سلَّم عليهم يُسْمِعُ نفسَه، وإن كانوا قليلًا أسمعهم التسليم، وإن لم يكن فيه أحدٌ قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام علينا من ربنا. وإن دخل بيتًا غير مسكون مِمّا قال الله: ﴿فيها متاع لكم﴾ [النور:٢٩] وهي الفنادق ينزلها الرجل المسافر ويجعل فيها متاعه، فإذا دخل البيت قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام علينا من ربنا
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله عز وجل: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قال: هؤلاء الأنصار، ﴿يُحبّون مَن هاجر إليهم﴾ من المهاجرين، ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ المهاجرون، قال: وتكلّم في ذلك -يعني: أموال بني النَّضِير- بعضُ مَن تكلّم من الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل في ذلك، فقال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: قال رسول الله ﷺ لهم: «إنّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم». فقالوا: أموالنا بينهم قطائع. فقال رسول الله ﷺ: «أوَغير ذلك؟». قالوا: وما ذلك، يا رسول الله؟ قال: «هم قومٌ لا يعرفون العمل فتَكفُونهم، وتُقاسمونهم الثّمر». فقالوا: نعم، يا رسول الله