اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة، وروي أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعا للقرآن والله أعلم.
ﰡ
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الكافرونست آيات مكية اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمَّى سُورَةَ الْمُنَابِذَةِ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُقَشْقِشَةَ،
وَرُوِيَ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ رُبْعَ الْقُرْآنِ،
وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَأْمُورَاتِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ وَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ فَتَكُونُ رُبْعًا لِلْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سورة الكافرون (١٠٩) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)اعلم أن قوله تعالى: فِيهِ فَوَائِدُ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَأْمُورًا بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ كَمَا قال: قُلْ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] «١» بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ثُمَّ كَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ بِالْوَجْهِ الْأَحْسَنِ: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النَّحْلِ: ١٢٥] وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ خَاطَبَهُمْ بيا أيها الْكَافِرُونَ فَكَانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ يَلِيقُ هَذَا التَّغْلِيظُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ فَأَجَابَ بِأَنِّي مَأْمُورٌ بِهَذَا الْكَلَامِ لَا أَنِّي ذَكَرْتُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِي فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ تَقْرِيرَ هَذَا الْمَعْنَى وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤] وَهُوَ كَانَ يُحِبُّ أَقْرِبَاءَهُ لِقَوْلِهِ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشُّورَى: ٢٣] فَكَانَتِ الْقَرَابَةُ وَوَحْدَةُ النَّسَبِ كَالْمَانِعِ مِنْ إِظْهَارِ الْخُشُونَةِ فَأُمِرَ بِالتَّصْرِيحِ بِتِلْكَ الْخُشُونَةِ وَالتَّغْلِيظِ فَقِيلَ لَهُ: قُلْ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] فَأُمِرَ بِتَبْلِيغِ كُلِّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قال الله تعالى له: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ نَقَلَ هُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْكَلَامَ بِجُمْلَتِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَنِي بِتَبْلِيغِ كُلِّ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ وَالَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ هو مجموع قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فَأَنَا أَيْضًا أُبَلِّغُهُ إِلَى الْخَلْقِ هَكَذَا وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ، عَلَى مَا قَالَ/ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: ٢٥] وَالْعَبْدُ يَتَحَمَّلُ مِنْ مَوْلَاهُ مَا لَا يَتَحَمَّلُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَوْ أنه عليه السلام قال ابتداء: (يا أيها الْكَافِرُونَ) لَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامَ مُحَمَّدٍ، فَلَعَلَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَحَمَّلُونَهُ مِنْهُ وَكَانُوا يُؤْذُونَهُ. أَمَّا لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: قُلْ عَلِمُوا أَنَّهُ ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات وَالْأَرْضِ، فَكَانُوا يَتَحَمَّلُونَهُ وَلَا يَعْظُمُ تَأَذِّيهِمْ بِهِ وخامسها: أن
وَفِي سُورَةِ الْكَوْثَرِ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ وَأَتَيْتَ بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ بِمُقْتَضَى قَوْلِنَا: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بَقِيَ عَلَيْكَ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، وَذَلِكَ هُوَ أَنْ تَمْنَعَهُمْ بِلِسَانِكَ وَبُرْهَانِكَ عَنْ عِبَادَةِ غير الله، فقل: يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ السَّادِسَ عَشَرَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ
: يَا مُحَمَّدُ أَنَسِيتَ أَنَّنِي لَمَّا أَخَّرْتُ الْوَحْيَ عَلَيْكَ مُدَّةً قَلِيلَةً، قَالَ الْكَافِرُونَ: إِنَّهُ وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ، فَشَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ غَايَةَ الْمَشَقَّةِ، حَتَّى أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ السُّورَةَ، وأقسمت بالضحى والليل إذا سجى أنه ما ودعك ربك وما قلى فَلَمَّا لَمْ تَسْتَجِزْ أَنْ أَتْرُكَكَ شَهْرًا وَلَمْ يَطِبْ قَلْبُكَ حَتَّى نَادَيْتُ فِي الْعَالَمِ بِأَنَّهُ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى أَفَتَسْتَجِيزُ أَنْ تَتْرُكَنِي شَهْرًا وَتَشْتَغِلَ بِعِبَادَةِ آلِهَتِهِمْ فَلَمَّا نَادَيْتُ بِنَفْيِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، فَنَادِ أَنْتَ أَيْضًا فِي العالم بنفي هذه التهمة وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، السَّابِعَ عَشَرَ: لَمَّا سَأَلُوا مِنْهُ أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُمْ سَنَةً وَيَعْبُدُوا إِلَهَهُ سَنَةً، فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَكَتَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، لَا لِأَنَّهُ جَوَّزَ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالُوهُ حَقًّا، فَإِنَّهُ كَانَ قَاطِعًا بِفَسَادِ مَا قَالُوهُ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَوَقَّفَ فِي أَنَّهُ بِمَاذَا يُجِيبُهُمْ؟ أَبِأَنْ يُقِيمَ الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ أَوْ بِأَنْ يَزْجُرَهُمْ بِالسَّيْفِ أَوْ بِأَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذَابًا، فَاغْتَنَمَ الْكُفَّارُ ذَلِكَ السُّكُوتَ وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا مَالَ إِلَى دِينِنَا، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ تَوَقُّفَكَ عَنِ الْجَوَابِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقٌّ وَلَكِنَّهُ أَوْهَمَ بَاطِلًا، فَتَدَارَكْ إِزَالَةَ ذَلِكَ الْبَاطِلِ، وَصَرِّحْ بِمَا هُوَ الحق وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ لَهُ رَبُّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ: أَثْنِ عَلَيَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ هَيْبَةُ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ فَقَالَ: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ السُّكُوتُ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَكَأَنَّهُ/ قِيلَ لَهُ: إِنْ سَكَتَّ عَنِ الثَّنَاءِ رِعَايَةً لِهَيْبَةِ الْحَضْرَةِ فَأَطْلِقْ لِسَانَكَ فِي مَذَمَّةِ الأعداء وقل يا أيها الكافرون حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله، وَفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَيْبَةَ الْحَضْرَةِ سلبت عنك قدرة القول فقل: هاهنا حَتَّى إِنَّ هَيْبَةَ قَوْلِكَ تَسْلُبُ قُدْرَةَ الْقَوْلِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ التَّاسِعَ عَشَرَ: لَوْ قَالَ لَهُ: لَا تَعْبُدْ مَا يَعْبُدُونَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أَمَّا لَمَّا أَمَرَهُ بِأَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَعْبُدَ مَا يَعْبُدُونَ إِذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَصَارَ كَلَامُهُ كَذِبًا، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ قُلْ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ فَلَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ: لَا تَعْبُدْ مَا يَعْبُدُونَ لَزِمَهُ تَرْكُهُ، أَمَّا «١» لَا يَلْزَمُهُ إِظْهَارُ إِنْكَارِهِ بِاللِّسَانِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ غَايَةَ الْإِنْكَارِ إِنَّمَا تَحْصُلُ إِذَا تَرَكَهُ فِي نَفْسِهِ وَأَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَوْلُهُ لَهُ: قُلْ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِنْكَارِ، فَلِهَذَا قَالَ: قُلْ... لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، الْعِشْرُونَ: ذِكْرُ التَّوْحِيدِ وَنَفْيُ الْأَنْدَادِ جَنَّةٌ لِلْعَارِفِينَ وَنَارٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَاجْعَلْ لَفْظَكَ جَنَّةً لِلْمُوَحِّدِينَ وَنَارًا للمشركين وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، وَتَعْبُدُ آلِهَتَنَا سَنَةً سَكَتَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ: إِنْ شَافَهْتُهُمْ بِالرَّدِّ تَأَذَّوْا، وَحَصَلَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الْإِسْلَامِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ لِمَ سَكَتَّ عَنِ الرَّدِّ، أَمَّا الطَّمَعُ فِيمَا يَعِدُونَكَ مِنْ قَبُولِ دِينِكَ، فَلَا حَاجَةَ بك في هذا المعنى إليهم فإنا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ وَأَمَّا الْخَوْفُ مِنْهُمْ فَقَدْ أَزَلْنَا عَنْكَ الْخَوْفَ بِقَوْلِنَا: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ فلا تلتفت إليهم، ولا تبال بكلامهم وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَسِيتَ يَا مُحَمَّدُ أَنِّي قَدَّمْتُ حَقَّكَ عَلَى حَقِّ نَفْسِي، فَقُلْتُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [الْبَيِّنَةِ: ١] فَقَدَّمْتُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْكُفْرِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ طَعْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيكَ وَطَعْنَ الْمُشْرِكِينَ فِيَّ، فَقَدَّمْتُ حَقَّكَ عَلَى حَقِّ نَفْسِي وَقَدَّمْتُ أَهْلَ الْكِتَابِ في الذم على المشركين، وأنت
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الْفَتْحِ: ١٠] وَجَعَلْتُ مُتَابَعَتَكَ مُتَابَعَةً لِي حَيْثُ قُلْتُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] ثُمَّ إِنِّي نَادَيْتُ فِي الْعَالَمِينَ وَقُلْتُ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التَّوْبَةِ: ٣] فَصَرِّحْ أنت أيضا بذلك وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: أَلَسْتُ أَرْأَفُ بِكَ مِنَ الولد بِوَلَدِهِ، ثُمَّ الْعُرْيُ وَالْجُوعُ مَعَ الْوَالِدِ أَحْسَنُ مِنَ الشِّبَعِ مَعَ الْأَجَانِبِ، كَيْفَ وَالْجُوعُ لَهُمْ لِأَنَّ أَصْنَامَهُمْ جَائِعَةٌ عَنِ الْحَيَاةِ عَارِيَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ وَهُمْ جَائِعُونَ عَنِ الْعِلْمِ عَارُونَ عَنِ التَّقْوَى، فَقَدْ جَرَّبْتَنِي، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا وَضَالًّا وَعَائِلًا، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، أَلَمْ أُعْطِكَ بِالصِّدِّيقِ خَزِينَةً وَبِالْفَارُوقِ هَيْبَةً وَبِعُثْمَانَ مَعُونَةً، وَبِعَلِيٍّ عِلْمًا، أَلَمْ أَكْفِ أَصْحَابَ الْفِيلِ حِينَ حَاوَلُوا تَخْرِيبَ بَلْدَتِكَ، أَلَمْ أَكْفِ أَسْلَافَكَ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، أَلَمْ أُعْطِكَ الْكَوْثَرَ، أَلَمْ أَضْمَنْ أَنَّ خَصْمَكَ أَبْتَرُ، أَلَمْ يَقُلْ جَدُّكَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ تَخْرِيبِهَا: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[مريم: ٤٢] فصرح بالبراءة عنها وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتُ قَدْ أنزلت عَلَيْكَ:
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠] ثُمَّ إِنَّ وَاحِدًا لَوْ نَسَبَكَ إِلَى وَالِدَيْنِ لَغَضِبْتَ وَلَأَظْهَرْتَ الْإِنْكَارَ وَلَبَالَغْتَ فِيهِ، حَتَّى قُلْتَ: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولَدْ مِنْ سِفَاحٍ» فَإِذَا لَمْ تَسْكُتْ عِنْدَ التَّشْرِيكِ فِي الْوِلَادَةِ، فَكَيْفَ سَكَتَّ عِنْدَ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَةِ! بَلْ أَظْهِرِ الْإِنْكَارَ، وَبَالِغْ فِي التَّصْرِيحِ به وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتُ قَدْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْلِ: ١٧] فَحَكَمْتُ بِأَنَّ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْإِلَهِ الْخَالِقِ وَبَيْنَ الْوَثَنِ الْجَمَادِ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ لَا يَكُونُ عَاقِلًا بَلْ يَكُونُ مَجْنُونًا، ثُمَّ إِنِّي أَقْسَمْتُ وَقُلْتُ: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [الْقَلَمِ: ١، ٢] وَالْكُفَّارُ يَقُولُونَ: إِنَّكَ مَجْنُونٌ، فَصَرِّحْ بِرَدِّ مَقَالَتِهِمْ فَإِنَّهَا تُفِيدُ بَرَاءَتِي عَنْ عَيْبِ الشِّرْكِ، وَبَرَاءَتِكَ عن عيب الجنون وقل يا أيها الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ سَمَّوُا الْأَوْثَانَ آلِهَةً، وَالْمُشَارَكَةُ فِي الِاسْمِ لَا تُوجِبُ الْمُشَارَكَةَ فِي الْمَعْنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ
كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ أَنَسِيتَ أَنِّي لَمَّا خَيَّرْتُ نِسَاءَكَ حِينَ أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ: قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها إِلَى قَوْلِهِ: أَجْراً عَظِيماً [الْأَحْزَابِ: ٢٨، ٢٩] ثُمَّ خَشِيتَ مِنْ عَائِشَةَ أَنْ تَخْتَارَ الدُّنْيَا، فَقُلْتَ لَهَا: لَا تَقُولِي شَيْئًا حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، فَقَالَتْ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ! فَنَاقِصَةُ الْعَقْلِ مَا تَوَقَّفَتْ فِيمَا يُخَالِفُ رِضَايَ أَتَتَوَقَّفُ فِيمَا يُخَالِفُ رِضَايَ وأمري مع أني جبار السموات والأرض: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُوقَفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ»، وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَالَ لِمُرِيدِهِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يفارقه: لا تخاف السُّلْطَانَ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يُوقِعُ النَّاسَ فِي أَحَدِ الْخَطَأَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ السُّلْطَانَ مُتَدَيِّنٌ، لِأَنَّهُ يُخَالِطُهُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ، أَوْ يَعْتَقِدُوا أَنَّكَ فَاسِقٌ مِثْلُهُ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ الْبَرَاءَةُ عَنْ مَوْقِفِ التُّهَمِ فَسُكُوتُكَ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ يَجُرُّ إِلَيْكَ تُهْمَةَ الرِّضَا بِذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَى فِيمَا بَيْنَ قِرَاءَتِكَ تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى مِنْهَا الشَّفَاعَةُ تُرْتَجَى، فَأَزِلْ عن نفسك هذه التهمة وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْحُقُوقُ فِي الشَّاهِدِ نَوْعَانِ حَقُّ مَنْ أَنْتَ تَحْتَ يَدِهِ، وَهُوَ مَوْلَاكَ، وَحَقُّ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِكَ وَهُوَ الْوَلَدُ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ خِدْمَةَ الْمَوْلَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، فَإِذَا كَانَ حَقُّ الْمَوْلَى الْمَجَازِيِّ مُقَدَّمًا، فَبِأَنْ يَكُونَ حَقُّ الْمَوْلَى الْحَقِيقِيِّ مُقَدَّمًا كَانَ أَوْلَى، ثُمَّ
رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَأْذَنَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّزَوُّجِ بِابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ فَضَجِرَ وَقَالَ: لَا آذَنُ لَا آذَنُ لَا آذَنُ إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا وَيَسُرُّنِي مَا يَسُرُّهَا وَاللَّهِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ بِنْتِ عَدُوِّ اللَّهِ، وَبِنْتِ حَبِيبِ اللَّهِ،
فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: صَرَّحْتَ هُنَاكَ بِالرَّدِّ وَكَرَّرْتَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَهَهُنَا أَوْلَى أَنْ تُصَرِّحَ بِالرَّدِّ، وتكرره رعاية لحق المولى فقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَجْمَعُ فِي الْقَلْبِ بَيْنَ طَاعَةِ الْحَبِيبِ وَطَاعَةِ الْعَدُوِّ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ قُلْتَ لِعُمَرَ:
رَأَيْتُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَنْ؟ فَقِيلَ: لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، فَقُلْتَ: مَنْ هُوَ، فَقَالُوا: عُمَرُ فَخَشِيتُ غَيْرَتَكَ فَلَمْ أَدْخُلْهَا حَتَّى قَالَ عمر: أو أغار عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: خَشِيتَ غَيْرَةَ عُمَرَ فَمَا دَخَلْتَ قَصْرَهُ أَفَمَا تَخْشَى غَيْرَتِي فِي أَنْ تُدْخِلَ قَلْبَكَ طَاعَةَ غَيْرِي، ثُمَّ هُنَاكَ أَظْهَرْتَ الِامْتِنَاعَ فَهَهُنَا أَيْضًا أظهر الامتناع وقل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَتَرَى أَنَّ نِعْمَتِي عَلَيْكَ دُونَ نِعْمَةِ الْوَالِدَةِ، أَلَمْ أُرَبِّكَ؟ أَلَمْ أَخْلُقْكَ؟ أَلَمْ أُرْزَقْكَ؟ أَلَمْ أُعْطِكَ الْحَيَاةَ وَالْقُدْرَةَ وَالْعَقْلَ وَالْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ؟ ثُمَّ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا عَدِيمَ الْعَقْلِ وَعَرَفْتَ تَرْبِيَةَ الْأُمِّ فَلَوْ أَخَذَتْكَ امْرَأَةٌ أَجْمَلُ وَأَحْسَنُ وَأَكْرَمُ مِنْ أُمِّكَ لَأَظْهَرْتَ النَّفْرَةَ وَلَبَكَيْتَ/ وَلَوْ أَعْطَتْكَ الثَّدْيَ لَسَدَدْتَ فَمَكَ تَقُولُ لَا أُرِيدُ غَيْرَ الْأُمِّ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْمُنْعِمِ عَلَيَّ، فَهَهُنَا أَوْلَى أَنْ تُظْهِرَ النَّفْرَةَ فَتَقُولَ: لَا أَعْبُدُ سِوَى ربي لأنه أول منعم علي فقل: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: نِعْمَةُ الْإِطْعَامِ دُونَ
[مَرْيَمَ: ١٨] فَاسْتَعَاذَتْ أَنْ تَمِيلَ إِلَى جِبْرِيلَ دُونَ اللَّهِ أَفَتَسْتَجِيزُ مَعَ كَمَالِ رُجُولِيَّتِكَ أَنْ تَمِيلَ إِلَى الْأَصْنَامِ قُلْ يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ حَقَّ الْفُرْقَةِ بِالْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ وَلَا بِالْعُنَّةِ الطَّارِئَةِ يَقُولُ:
لِأَنَّهُ كَانَ قَيِّمًا فَلَا يَحْسُنُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ تَعَيَّبَ فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: كُنْتُ قَيِّمًا وَلَمْ أَتَعَيَّبْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْإِعْرَاضُ عني قل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْأَرْبَعُونَ: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: ٢٥] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [فَاطِرٍ: ٤٠] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: هَذِهِ الشَّرِكَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُزَارَعَةً وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْبَذْرَ مِنِّي وَالتَّرْبِيَةَ وَالسَّقْيَ مِنِّي، وَالْحِفْظَ مِنِّي، فَأَيُّ شَيْءٍ لِلصَّنَمِ، أَوْ شَرِكَةَ الْوُجُوهِ وَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ أَتُرَى أَنَّ الصَّنَمَ أَكْثَرُ شُهْرَةً وَظُهُورًا مِنِّي، أَوْ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ وَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الْجِنْسِيَّةَ، أَوْ شَرِكَةَ الْعِنَانِ، وَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِصَابٍ فَمَا نِصَابُ الْأَصْنَامِ، أَوْ يَقُولُ لَيْسَ هَذِهِ مِنْ بَابِ الشَّرِكَةِ لَكِنَّ الصَّنَمَ يَأْخُذُ بِالتَّغَلُّبِ نَصِيبًا مِنَ الْمُلْكِ، فَكَأَنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: مَا أَشَدَّ جَهْلَكُمْ إِنَّ هَذَا الصَّنَمَ أَكْثَرُ عَجْزًا مِنَ الذُّبَابَةِ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً [الْحَجِّ: ٧٣] فَأَنَا أَخْلُقُ الْبَذْرَ ثُمَّ أُلْقِيهِ فِي الْأَرْضِ، فَالتَّرْبِيَةُ وَالسَّقْيُ وَالْحِفْظُ مِنِّي. ثُمَّ إِنَّ مَنْ هُوَ أَعْجَزُ مِنَ الذُّبَابَةِ يَأْخُذُ بِالْقَهْرِ وَالتَّغَلُّبِ نَصِيبًا مِنِّي مَا هَذَا بقول يليق بالعقلاء قل يا أيها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُ لَا ذَرَّةَ فِي عَالَمِ الْمُحْدَثَاتِ إِلَّا وَهِيَ تَدْعُو الْعُقُولَ إِلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ/ وَأَمَّا الدُّعَاةُ إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ فَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ بَقٍّ وَبَعُوضَةٍ دَاعِيًا إِلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [الْبَقَرَةِ: ٢٦]، ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَعُوضَةَ بِحَسَبِ حُدُوثِ ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا تَدْعُو إلى قدرة الله بحسب تَرْكِيبِهَا الْعَجِيبِ تَدْعُو إِلَى عِلْمِ اللَّهِ وَبِحَسَبِ تَخْصِيصِ ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ تَدْعُو إِلَى إِرَادَةِ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: مِثْلُ هَذَا الشيء كيف يتسحيا مِنْهُ،
رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ دَخَلَ السُّوقَ فَاشْتَرَى كَرِشًا وَحَمَلَهُ بِنَفْسِهِ فَرَآهُ عَلِيٌّ مِنْ بَعِيدٍ فَتَنَكَّبَ عَلِيٌّ عَنِ الطَّرِيقِ فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَنَكَّبْتَ عَنِ الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: حتى لا تستحي، فقال: وكيف أستحي مِنْ حَمْلِ مَا هُوَ غِذَائِي!
فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يقول: إذا كان عمر لا يستحي مِنَ الْكَرِشِ الَّذِي هُوَ غِذَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا فكيف أستحي عَنْ ذِكْرِ الْبَعُوضِ الَّذِي يُعْطِيكَ غِذَاءَ دِينِكَ، ثُمَّ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ نمروذ لما ادعى الربوبية صالح عَلَيْهِ الْبَعُوضُ بِالْإِنْكَارِ، فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَمَّا دَعَوْكَ إِلَى الشِّرْكَ أَفَلَا تَصِيحُ عَلَيْهِمْ أَفَلَا
أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يَا أَيُّهَا، قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ، وَالَّذِي نزيده هاهنا، أَنَّهُ
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: يا نداء النفس وأي نِدَاءُ الْقَلْبِ، وَهَا نِدَاءُ الرُّوحِ،
وَقِيلَ: يَا نِدَاءُ الْغَائِبِ وَأَيُّ لِلْحَاضِرِ، وَهَا لِلتَّنْبِيهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَدْعُوكَ ثَلَاثًا وَلَا تُجِيبُنِي مَرَّةً مَا هَذَا إِلَّا لِجَهْلِكَ الْخَفِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَ يَا الَّذِي هُوَ لِلْبَعِيدِ، وَأَيِّ الَّذِي هُوَ لِلْقَرِيبِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: مُعَامَلَتُكَ مَعِي وَفِرَارُكَ عَنِّي يُوجِبُ الْبُعْدَ الْبَعِيدَ، لَكِنَّ إِحْسَانِي إِلَيْكَ، وَوُصُولَ نِعْمَتِي إِلَيْكَ تُوجِبُ الْقُرْبَ الْقَرِيبَ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] وَإِنَّمَا قَدَّمَ يَا الَّذِي يُوجِبُ الْبُعْدَ عَلَى أَيِّ الَّذِي يُوجِبُ الْقُرْبَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: التَّقْصِيرُ مِنْكَ وَالتَّوْفِيقُ مِنِّي، ثُمَّ ذكرها بعد ذلك لأن/ ما يوجب البعد الذي هو كالموت وأي يُوجِبُ الْقُرْبَ الَّذِي هُوَ كَالْحَيَاةِ، فَلَمَّا حَصَلَا حَصَلَتْ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَتِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ النَّوْمُ، وَالنَّائِمُ لَا بُدَّ وَأَنْ ينبه وها كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ خُتِمَتْ حُرُوفُ النِّدَاءِ بِهَذَا الْحَرْفِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، قالوا لرسول الله تعالى: حَتَّى نَعْبُدَ إِلَهَكَ مُدَّةً، وَتَعْبُدَ آلِهَتَنَا مُدَّةً، فيحصل مصلح بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَتَزُولَ الْعَدَاوَةُ مِنْ بَيْنِنَا، فَإِنْ كَانَ أَمْرُكَ رَشِيدًا أَخَذْنَا مِنْهُ حَظًّا، وَإِنْ كَانَ أَمْرُنَا رَشِيدًا أَخَذْتَ مِنْهُ حَظًّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وَنَزَلَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [الزُّمَرِ: ٦٤]
فَتَارَةً وَصَفَهُمْ بِالْجَهْلِ وَتَارَةً بِالْكُفْرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ كَالشَّجَرَةِ، وَالْكُفْرَ كَالثَّمَرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه، وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِالْكَافِرِينَ، وَفِي الْأُخْرَى بِالْجَاهِلِينَ؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِتَمَامِهَا نَازِلَةٌ فِيهِمْ، فَلَا بُدَّ وأن تكون المبالغة هاهنا أَشَدَّ، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا لَفْظٌ أَشْنَعَ وَلَا أَبْشَعَ مِنْ لَفْظِ الْكَافِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ عِنْدَ جَمِيعِ الْخَلْقِ سَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا، أَمَّا لَفْظُ الْجَهْلِ فَإِنَّهُ عِنْدَ التَّقْيِيدِ قَدْ لَا يُذَمُّ،
كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي عِلْمِ الْأَنْسَابِ: «عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ وَجَهْلٌ لَا يَضُرُّ».
السُّؤَالُ الثَّانِي: لَمَّا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ (لِمَ تُحَرِّمُ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا [التحريم: ٧] ولم يذكر قل، وهاهنا ذَكَرَ قُلْ، وَذَكَرَهُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَالْجَوَابُ: الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ لِمَ تُحَرِّمُ إِنَّمَا تُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَثَمَّةَ
السؤال الثالث: قوله هاهنا: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ خِطَابٌ مَعَ الْكُلِّ أَوْ مَعَ الْبَعْضِ؟ الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ خِطَابًا مَعَ الْكُلِّ، لِأَنَّ فِي الْكُفَّارِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ خِطَابًا مَعَ الْكُلِّ، لِأَنَّ فِي الْكُفَّارِ مَنْ آمَنَ وَصَارَ بِحَيْثُ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِذَنْ وَجَبَ أَنْ يقال: إن قوله: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ مَعَ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً وَتَعْبُدُ آلِهَتَنَا سَنَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْخِطَابَ عَلَى الْعُمُومِ دَخَلَ التَّخْصِيصُ، وَلَوْ حَمَلْنَا عَلَى أَنَّهُ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ لَمْ يَلْزَمْنَا ذَلِكَ، فَكَانَ حَمْلُ الآية على هذا المحمل أولى. أما قوله تعالى:
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ٢ الى ٥]
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)
فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا تِكْرَارَ فِيهَا وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهَا تِكْرَارًا أَمَّا الْأَوَّلُ:
فَتَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالثَّانِيَ لِلْحَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أن الأول للمستقبل أن لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى مُضَارِعٍ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، أَنْ تَرَى أَنَّ لَنْ تَأْكِيدٌ فِيمَا يَنْفِيهِ لَا، وَقَالَ الْخَلِيلُ فِي لَنْ أَصْلُهُ لَا أَنْ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أَيْ لَا أَفْعَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِنْ عِبَادَةِ آلِهَتِكُمْ وَلَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَةِ إِلَهِي، ثُمَّ قَالَ: وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ أَيْ وَلَسْتُ فِي الْحَالِ بِعَابِدٍ مَعْبُودَكُمْ وَلَا أَنْتُمْ فِي الْحَالِ بِعَابِدِينَ لِمَعْبُودِي الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَقْلِبَ الْأَمْرَ فَتَجْعَلَ الْأَوَّلَ لِلْحَالِ وَالثَّانِيَ لِلِاسْتِقْبَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ: وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ لِلِاسْتِقْبَالِ أَنَّهُ رُفِعَ لِمَفْهُومِ قَوْلِنَا: أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لِلِاسْتِقْبَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا قَاتِلٌ زَيْدًا فُهِمَ مِنْهُ الِاسْتِقْبَالُ الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ لِلْحَالِ وَلِلِاسْتِقْبَالِ، وَلَكِنَّا نخص إحداها بِالْحَالِ، وَالثَّانِي بِالِاسْتِقْبَالِ دَفْعًا لِلتِّكْرَارِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْحَالِ، ثُمَّ عَنِ الِاسْتِقْبَالِ، فَهُوَ التَّرْتِيبُ، وَإِنْ قُلْنَا: أَخْبَرَ أَوَّلًا عَنِ الِاسْتِقْبَالِ، فَلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَعَوْهُ إِلَيْهِ، فَهُوَ الْأَهَمُّ فَبَدَأَ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْحَالِ وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَكَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؟ قُلْنَا: أَمَّا الْحِكَايَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْجَاهِلُ أَنَّهُ يَعْبُدُهَا سِرًّا خَوْفًا مِنْهَا أَوْ طَمَعًا إِلَيْهَا وَأَمَّا نَفْيُهُ عِبَادَتَهُمْ فَلِأَنَّ فِعْلَ الْكَافِرِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ أَصْلًا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ الْمَعْبُودُ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَلَا تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَيْنِ فَمَا مَعَ الْفِعْلِ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ أَيْ لَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمُ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الشِّرْكَ وَتَرْكِ النَّظَرِ، وَلَا أَنْتُمْ تَعْبُدُونَ عِبَادَتِي
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ: مَا لَا تَتَنَاوَلُ مَنْ يَعْلَمُ فَهَبْ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ كَانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ مَا لَكِنَّ مَعْبُودَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ أَعْلَمُ الْعَالَمِينَ فَكَيْفَ قَالَ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصِّفَةُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْبُدُ الْبَاطِلَ وَأَنْتُمْ لَا تَعْبُدُونَ الحق وثانيها: أن مَصْدَرِيَّةٌ فِي الْجُمْلَتَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ وَلَا تَعْبُدُونَ عِبَادَتِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قَالَ ثَانِيًا لَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ وَلَا تَعْبُدُونَ عِبَادَتِي فِي الْحَالِ وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْكَلَامُ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَوَّلًا: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ حُمِلَ الثَّانِي عَلَيْهِ لِيَتَّسِقَ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: ٤٠].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ أَهْلُ الْجَبْرِ بِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَالْخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ الشَّيْءِ يُضَادُّ وُجُودَ ذَلِكَ الشيء فَالتَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ الْعِبَادَةِ مَعَ وُجُودِ الْخَبَرِ الصِّدْقِ بِعَدَمِ الْعِبَادَةِ تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَ فِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَلَيْسَ أَنَّ ذِكْرَ الْوَجْهِ الَّذِي لِأَجْلِهِ تُقَبَّحُ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ كَانَ أَوْلَى مِنْ هَذَا التَّكْرِيرِ؟ الْجَوَابُ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ وَالتَّكْرِيرُ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْحُجَّةِ، إِمَّا لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بَلِيدٌ يَنْتَفِعُ بِالْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْرِيرِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الْحُجَّةِ أَوْ لِأَجْلِ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ يَكُونُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ فَالْمُنَاظَرَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ حَسَنَةٌ، أَمَّا الْقَائِلُ بِالصَّنَمِ فَهُوَ إِمَّا مَجْنُونٌ يَجِبُ شَدُّهُ أَوْ عَاقِلٌ مُعَانِدٌ فَيَجِبُ قَتْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَتْلِهِ فَيَجِبُ شَتْمُهُ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ كَمَا فِي هذه الآية.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لَمَّا كَانَ التِّكْرَارُ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: لَنْ أَعْبُدَ مَا تَعْبُدُونَ، لِأَنَّ هَذَا أَبْلَغُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ لَمَّا بَالَغُوا قَالُوا: لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً [الْكَهْفِ: ١٤] وَالْجَوَابُ:
الْمُبَالَغَةُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهُ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ، بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فإنه وجد منهم ذلك فيما قبل. أما قوله تعالى:
[سورة الكافرون (١٠٩) : آية ٦]
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكُمْ كُفْرُكُمْ بِاللَّهِ وَلِيَ التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْكُفْرِ قُلْنَا: كَلَّا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا بُعِثَ إِلَّا لِلْمَنْعِ مِنَ الْكُفْرِ فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَحَدُ أُمُورٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ منه التهديد، كقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] وَثَانِيهَا: كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إِلَيْكُمْ لِأَدْعُوَكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ، فَإِذَا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي وَلَمْ تَتْبَعُونِي فَاتْرُكُونِي وَلَا تَدْعُونِي إِلَى الشِّرْكِ وَثَالِثُهَا: لَكُمْ دِينُكُمْ فَكُونُوا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْهَلَاكُ خَيْرًا لَكُمْ وَلِيَ دِينِ لِأَنِّي لَا أَرْفُضُهُ الْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْحِسَابُ أَيْ لَكُمْ حِسَابُكُمْ وَلِي حِسَابِي، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا مِنْ عَمَلِ صَاحِبِهِ أَثَرٌ الْبَتَّةَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ لَكُمْ جَزَاءُ دِينِكُمْ وَلِي جَزَاءُ دِينِي وَحَسْبُهُمْ جَزَاءُ دِينِهِمْ وَبَالًا وَعِقَابًا كَمَا حَسْبُكَ جَزَاءُ دِينِكَ تَعْظِيمًا وَثَوَابًا الْقَوْلُ الرَّابِعُ: الدِّينُ الْعُقُوبَةُ: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النُّورِ: ٢] يَعْنِي الْحَدَّ، فَلَكُمُ الْعُقُوبَةُ مِنْ رَبِّي، وَلِيَ الْعُقُوبَةُ مِنْ أَصْنَامِكُمْ، لَكِنَّ أَصْنَامَكُمْ جمادات، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام، وأما أَنْتُمْ فَيَحِقُّ لَكُمْ عَقْلًا أَنْ تَخَافُوا عُقُوبَةَ جبار السموات وَالْأَرْضِ الْقَوْلُ الْخَامِسُ: الدِّينُ الدُّعَاءُ، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، أَيْ لَكُمْ دُعَاؤُكُمْ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] وإِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [فَاطِرٍ: ١٤] ثُمَّ لَيْتَهَا تَبْقَى عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَضُرُّونَكُمْ، بَلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجِدُونَ لِسَانًا فَيَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، وَأَمَّا رَبِّي فَيَقُولُ:
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا [الشُّورَى: ٢٦] ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غَافِرٍ: ٦٠] أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [الْبَقَرَةِ: ١٨٦] الْقَوْلُ السَّادِسُ: الدِّينُ الْعَادَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُ لَهَا وَقَدْ دَارَتْ وَضِينِي | أَهَذَا دِينُهَا أَبَدًا وَدِينِي |
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: لَكُمْ دِينُكُمْ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَمَعْنَاهُ لَكُمْ دِينُكُمْ لَا لِغَيْرِكُمْ، وَلِي دِينِي لَا لِغَيْرِي،
المسألة الثالثة: جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ الْمُتَارَكَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ بَلْ لِيُتَدَبَّرَ فِيهِ، ثُمَّ يُعْمَلَ بِمُوجَبِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا، وعلى آله وصحبه وسلم.