جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمّ بِأَنّهُمْ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : فلما نكثوا عهودهم، انتقمنا منهم، يقول : انتصرنا منهم بإحلال نقمتنا بهم وذلك عذابه فأغرقناهم في اليمّ، وهو البحر، كما قال ذو الرّمّة :
| داوِيّةٌ وَدُجَى لَيْلٍ كأنّهُما | يَمّ تَراطَنُ فِي حافاتِهِ الرّومُ |
***كباذِخِ الْيَمّ سَقاهُ الْيَمّ ***
بأنّهُمْ كَذّبُوا بآياتِنا يقول : فعلنا ذلك بهم، بتكذيبهم بحججنا وأعلامنا التي أري ناهموها. وكانُوا عَنْها غافِلِينَ يقول : وكانوا عن النقمة التي أحللناها بهم غافلين قبل حلولها بهم أنها بهم حالة. والهاء والألف في قوله :«عَنْها » كناية من ذكر النقمة، فلو قال قائل : هي كناية من ذكر الآيات، ووجه تأويل الكلام إلى : وكانوا عنها معرضين فجعل إعراضهم عنها غفولاً منهم إذ لم يقبلوها، كان مذهبا يقال من الغفلة، غَفَل الرجل عن كذا يَغْفُل عنه غَفْلة وغُفُولاً وغَفْلاً.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما نكثوا عهودهم = "انتقمنا منهم"، يقول: انتصرنا منهم بإحلال نقمتنا بهم، (١) وذلك عذابه = "فأغرقناهم في اليمّ"، وهو البحر، كما قال ذو الرمة:
دَاوِيَّةٌ وَدُجَى لَيْلٍ كَأَنَّهُمَا يَمٌّ تَرَاطَنُ فِي حَافَاتِهِ الرُّومُ (٢)
(٢) ديوانه: ٥٧٦، من قصيدة باذخة، وهذا البيت منها في صفه فلاة مخوفة، يقول قبله:
| بَيْنَ الرَّجَا والرَّجَا من جَنْبٍ وَاصِيَةٍ | يَهْمَاءَ خَابِطُهَا بِالخَوْفِ مَكْعُومُ |
| لِلجِنِّ بِاللَّيْلِ فِي حَافَاتِهَا زَجَلٌ | كَمَا تَجَاوَبَ يَوْمَ الرِّيحِ عَيْشُومُ |
| هَنَّا، وَهَنَّا وَمِنْ هَنَّا لَهُنَّ، بِهَا | ذَاتَ الشَّمَائِلِ وَالأَيْمَانِ هَيْنُومُ |
((الرجا)) الناحية. و ((الواصية))، فلاة تتصل بفلاة مخوفة أخري، كأن بعضها يوصي بعضاً بالأهوال. و ((خابطها)) الساري فيها لا يكاد يهتدي. ((يهماء))، مبهمة لايكاد المرء يهتدي فيها. و ((مكعوم)) مشدود الفم، لا يطيق أن ينطق من الرعب. و ((زجل الجن))، صوتها وعزيفها. و ((العيشوم)) نبت له خشخشة إذا هبت عليه الريح. و ((الهينوم))، الهينمة وهو صوت تسمعه ولا تفهمه. يقول تأتيه هذه الأصوات من يمين وشمال. و ((الدوية)) و، الداوية، الفلاة التي يسمع فيها دوي الصوت، لبعد أطرافها. وهذا شعر فاخر.
* كَبَاذِحِ الْيَمِّ سَقَاهُ الْيَمُّ * (٢)
= (بأنهم كذبوا بأياتنا)، يقول: فعلنا ذلك بهم بتكذيبهم بحججنا وأعلامنا التي أري ناهموها (٣) = (وكانوا عنها غافلين)، يقول: وكانوا عن النقمة التي أحللناها بهم، غافلين قبل حلولها بهم أنّها بهم حالَّةٌ.
* * *
و"الهاء والألف" في قوله: "عنها"، كناية من ذكر "النقمة"، فلو قال قائل: هي كناية من ذكر "الآيات"، ووجّه تأويل الكلام إلى: وكانوا عنها معرضين = فجعل إعراضهم عنها غفولا منهم إذ لم يقبلوها، كان مذهبًا. يقال من "الغفلة"، "غفل الرجل عن كذا يغفُل عنه غَفْلة وغُفُولا وغَفَلا". (٤)
* * *
(٢) ديوانه: ٦٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٧، من أرجوزة ذكر فيها مسعود بن عمرو العتكي الأزدي، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج. فقال يذكر تميما وخزيمة، وقيس عيلان حين اجتمعت كتائبهم وجيوشهم:
| وَأَصْحَروا حين اسْتَجَمَّ الجَمُّ | بِذِي عُبَابٍ بَحرُهُ غِطَمُّ |
| كَبَاذِخِ اليِمِّ سَقَاهُ اليَمُّ | لَهُ نَوَاحٌ وَلَه أُسْطُمُّ |
(٣) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي)
(٤) انظر تفسير ((الغفلة)) فيما سلف ٢: ٢٤٤، ٣١٦ / ٣: ١٢٧، ١٨٤ /٩: ١٦٢ ولم يبين فيما سلف هذا البيان الذي جاء به هنا.